بديهيات التفكير الأربع بشأن الموت وعدم الثبات

رأينا أن التأمل هو جزء من عملية ذات ثلاثة أجزاء والتي تبدأ بالاستماع إلى التعاليم، التفكير بها، ثم التأمل عليها. التأمل، كخطوة ثالثة، يتعلق في حقيقته بكيفية إدماج تلك التعاليم في حياتنا، وهو الشيء الذي يحدث عبر التكرار. نحن بالأساس نبني الحالات الذهنية الإيجابية التي نرغب في الوصول إليها عبر تكرارها، بحيث تصبح عادة.

نستمع إلى التعاليم، وننمي من خلال تلك العملية الوعي التمييزي، حيث نصبح قادرين على أن نميز، "نعم، هذه تعاليم بوذا" ونكون واثقين من ذلك. رأينا أيضًا أن بناء الصلة بالتعاليم يتم بناء على افتراض بعينه، قد لا نفهم بالضرورة كل تلك التعاليم، لكن لأننا لدينا على الأقل الدافع والاهتمام، فنحن نفترض صحتهم حتى نتمكن من إثبات العكس. إذا وجدنا شيئًا غير صحيح، يمكننا عندها تجاهله. لكن من المهم أن يكون لدينا تفتح ذهني على الأقل لنفترض أنها صحيحة، ونقرر أن نتفحصها لنرى ما إذا كانت كذلك. وأيضًا يجب أن نفترض إنها نافعة، مثل الفيتامينات. نحن لن نأخذ سمًا ما، ونحن نقول لأنفسنا "دعونا نختبر هذا ونرى إذا كان سيقتلنا"، لكننا ننظر لها كما ننظر للفيتامينات. لذا نفترض أنها نافعة، لأن العديدين يقولون هذا، ولذا يمكننا أن نُجرب ونرى بأنفسنا.

عندما نفكر في التعاليم، فنحن نتفحصهم من أجل الوصول إلى نهاية العملية المعروفة بمسمى "الوعي التمييزي الناتج عن التفكير". حيث نصبح مقتنعين بالكامل بأننا فهمنا التعاليم، وأن ما علمه بوذا صحيح، وأنها بالفعل نافعة، وأننا ما نرغب في تحقيقه ممكنًا بالفعل. عندما يتجاهل الناس الخطوات السابقة، كما يفعل العديدون، ينتهي بهم الأمر بعد فترة بما يُطلق عليه "التردد غير الحاسم"، أي بعبارة أخرى، الشكوك، حيث يكونون غير متأكدين إذا كان هذا ممكنًا بالفعل. ثم ييأسون.

ما هو التحرر؟

عندما نقرأ عن التحرر أو الاستنارة، وأدوات تحقيقهم، نحتاج أن نفهم حقًا بشكل صحيح ما الذي نعنيه بالفعل بالتحرر. ماذا يعني بالضبط أن نصبح مستنيرين؟ ما الذي يحدث بعد ذلك؟ تقول التعاليم أن بوذا كليّ المعرفة، لديه معرفة تامة بكل شيء بشكل صحيح وفي ذات الوقت. ولدى بوذا أيضًا اهتمام متساوي بكل كائن، وقادر على التواصل بشكل كامل مع كلٍ من تلك الكائنات. لذا بوذا يساعد الجميع بأفضل طريقة ممكنة.

هل هذا ممكنًا أم هي مجرد قصة خيالية؟ إذا فكرنا في أن هذا شيء سخيف، فلماذا نسعى إلى تحقيقه؟ إذا فكرنا في أن هذه قصة خيالية، فمن الواضح إننا لا نصدق في إمكانية تحقيقه. علينا أن نتفحص بشكل نقدي تلك الأهداف التي تناقشها البوذية، ونتفحص دوافعنا.

ما هو هدفنا؟

لتلك الكلمة، "دافع"، معنى محدد في البوذية. عادة ما نقول "أعد تشكيل أو توليد دافعك"، والتي هي عملية من خطوتين. الأولى هي الهدف -الهدف الذي لدينا- والثانية، المشاعر الكامنة خلف هذا والتي تقودنا لتحقيق هذا الهدف. عادة ما تحمل كلمة دافع في لغاتنا صلة بالجزء الثاني فقط، المشاعر التي تقودنا للقيام بشيء.

أعتقد أن العديدون ممن يتدربون على التعاليم البوذية، "الدارما"، إذا كانوا أُمناء مع أنفسهم، سيجدون أن هدفهم هو فقط جعل تلك الحياة أفضل وأسهل قليلًا وأكثر سعادة. وهذا حسن -هو ما أطلق عليه "الدارما المخففة" كمقابل لما أطلق عليه "الدارما الحقيقية". هي خطوة أولى. بالدارما الحقيقية نهدف إلى الحصول على إعادة ميلاد أفضل، أن نحصل بشكل مستمر على الميلاد البشري الثمين حياة بعد أخرى. لكن إذا لم تكن تُصدق في إعادة الميلاد، كيف يمكنك أن تهدف بإخلاص للحصول على ميلاد جيد؟ لنفهم إعادة الميلاد نحن بحاجة لأن نفهم ما هذا الذي يولد، طبيعة استمرارية الذهن تلك، طبيعة الذات، وما شابه. في الحقيقة، أن تحصل على ميلاد جيد ليس هدفًا قاصرًا فقط على البوذية. المسيحية والديانات الأخرى تهدف لهذا أيضًا؛ في حالة المسيحية، الميلاد مرة أخرى في الجنة.

الهدف الثاني هو تحقيق التحرر من إعادة الميلاد المتكرر غير المتحكم به. الديانة الهندوسية تهدف لهذا أيضًا. لذا علينا أن نفهم جيدًا ما الذي تعنيه البوذية بالتحرر، وما هي أدوات تحقيق هذا. ثم بالطبع الهدف النهائي هو تحقيق الاستنارة، حالة البوذا -وهو هدف خاص فقط بالبوذية.

خطوة بخطوة

عندما ننظر إلى التعاليم البوذية سنرى إنها على هيئة مراحل. بصيرة يتبعها أخرى، ومن المهم أن نحترم هذا لأننا إذا قلنا لأنفسنا، "أريد أن أصبح بوذا حتى أتمكن من مساعدة جميع الكائنات" دون أي أساس لهذا، فستكون عندها مجرد كلمات فارغة. هل نحن نهدف حقًا للتحرر والأخذ بيد جميع الكائنات للاستنارة حتى آخر حشرة بهذا الكون؟ ربما لا. هذا يحتاج ذهنًا شاسعًا بشكل لا يمكن تخيله حتى نهدف لهذا ونعنيه حقًا، ولذا علينا أن نقوم ببناء هذا بشكل تدريجي. نقوم بذلك عبر تفحص التعاليم باستخدام ما أطلق عليه وأترجمه إلى "البديهيات الأربع"، الأربع طرق للنظر وتفحص شيئًا ما، ونبدأ بتطبيقهم على النقاط الأساسية في الدارما.

كمثال لاستخدام البديهيات الأربع دعونا نفكر ونتأمل على الموت وعدم الثبات. لربما قد يكون سبب اختياري لهَذين الموضوعين أنانيًا، بسبب وفاة صديقي الأسبوع الماضي. لكن على أي حال، البديهيات الأربع هم:

  • بديهية الاعتمادية – ما هي الحالة الذهنية التي نرغب في توليدها، الوعي بالموت، ما الذي تعتمد عليه؟
  • بديهية الغاية – إذا نمينا تلك الحالة الذهنية، ما الذي ستحققه وما هي فوائدها وأضرارها؟
  • بديهية المنطقية – إذا تفحصنا التعاليم المتعلقة بهذه النقطة لأجل أن نتحقق من صحتها، هل هذه التعاليم متوافقة مع بقية ما عَلَّمه بوذا؟ هل هي منطقية؟ إذا جربنا تطبيق تلك التعاليم، هل ستولِّد الأثر المذكور لها؟
  • بديهية الطبيعة – هل الموت مثالًا على طبيعة الأشياء؟ هل يموت الجميع؟

ما نقوم به هو أننا نأخذ تعاليم بعينها، مثل تلك المتعلقة بالموت، ونحللها من منظور تلك البديهيات الأربع، ونقضي في ذلك كل الوقت الذي نحتاجه. لا توجد صيغة بعينها تخبرنا أن علينا أن نقضي عشرة دقائق بهذه النقطة وعشرين دقيقة بتلك. لكن من المفيد ألا نفعل هذا بسرعة، لأنه عادة عندها ما سنُركز عليه سيكون بلا معنى. من اللطيف أن ندع كلًا من تلك النقاط تتغلغل بنا وأن نقضي فيها كل الوقت الذي نحتاجه.

اكتساب فهم شامل

ما نرغب فيه بالأساس هو أن نصبح مقتنعين بأننا فهمنا الموضوع، بحيث لا نبقى حائرين بين الموضوعات السابقة والتالية ونحن تائهون. لهذا السبب لدى التبتيين أداة المناظرة التعليمية، والتي تُجبرنا على التأكد من فهمنا. على الجميع القيام بها -لا يمكنك الجلوس بنهاية الفصل في هدوء. سيقوم أحدهم بطرح مقدمة منطقية ما، وسيكون عليك أن تقبلها أو ترفضها. الهدف ليس العثور على الإجابة الصحيحة، ولكن اكتساب الثقة في فهمنا لموضوع ما. إنها أداة ممتازة لأن الآخرين سيتحدون تفكيرنا أكثر بكثير مما سيمكننا نحن أن نفعل مع أنفسنا. أثناء المناظرة، يكون هناك قدر كبير من الطاقة حيث يجد المشاركون الكثير من المرح ويضحكون كثيرًا عندما يجعلون الطرف الآخر يناقض نفسه. لكن كل هذا يتم بروح فكاهية طيبة، ويستمتع بها الجميع.

فائدة أخرى لهذه الطريقة التعليمية هو أنه بغض النظر عمَّن تكون، في نقطة أو أخرى، الجميع يناقض نفسه ويقول شيئًا غبيًا، والذي هو شيئًا مفيدًا لتقليل الغرور والكبرياء. وأيضًا يساعد في التغلب على الخجل -فلن يمكنك أن تصاب بالخجل عند الوقوف أمام الجمع للمناقشة.

لا يجب علينا تجاهل تلك الأداة التعليمية متحججين بأنها "شيء نظري، أرغب في أن اعتمد على حدسي الفطري وأجلس فقط للتأمل". المناظرة تساعد على التأمل، وهذا هو الغرض منها. بعد المناظرة، لن يكون لديك المزيد من الشكوك وستصبح متأكدًا من فهمك، وعندها يمكنك الجلوس للتأمل لتمزج تلك البصيرة بوجدانك وأنت على ثقة تامة. وإلا فلن يكون تأملك حاسمًا. بالطبع، قد لا تُناظرون بالطريقة التقليدية مع الآخرين هنا، لكن من المفيد للغاية أن تناقشوا التعاليم، بدون كبرياء أو عجرفة، وبدون أن تصبحوا دفاعيين، معتقدين أن الآخر يهاجمكم بشكل شخصي.

مصطلحان بوذيان آخران هما "التصديق في الحقيقة إنها الواقع"، و"الاقتناع الحاسم". لا يمكننا أن نُصدق في الشيء غير الصحيح على إنه حقيقي، لذا علينا أن نكون مُدققين في تفحصنا للتعاليم حتى لا نصل لاستنتاج أننا أصبح لدينا فهم صحيح، بينما في الواقع نحن لم نصل لهذا بعد. الثقة الحاسمة هي عندما نكون مقتنعين تمامًا بحيث لا يمكن لأي شيء كان أن يؤثر على تصديقنا، وهذا هو ما نحن بالفعل بحاجة إلى تنميته.

الاستمرار في التقدم إلى الأمام

كل هذا يمكن أن يشوهه العناد والانغلاق الذهني. يكون لدينا فهم خاطئ ونصبح عنيدين بحيث لا يمكن لأحد أن يُصحح لنا هذا الفهم -هذا ما يُترجم أحيانًا إلى "الرؤية الخاطئة". التمسك بعناد بشيء خاطئ بحيث نصبح عدائيين لكل من يحاول قول شيء مختلف ونهاجمه.

حتى نصبح بوذات، سيكون علينا أن نحاول أن نفهم التعاليم بشكل أعمق وأعمق. لذا يُقال لنا دائمًا، "لا تكونوا أبدًا قانعين بمستوى فهمكم، بمستوى تحققكم، لأن بإمكانكم دائمًا الوصول لما هو أعمق، يمكنكم دائمًا تحقيق ما هو أفضل، حتى تصبحوا بوذات". لذا حتى عندما نفهم شيء بشكل صحيح، فقد لا يكون هذا هو الفهم الأعمق. اعتاد الرينبوتشي تريجامغ، أحد معلمي الدالاي لاما، أن يقول، "لقد قرأت لام ريم تشينمو (العرض الكبير لمراحل المسار المتدرج للمعلم تسونغكابا – وهو نص أساسي وضخم للغاية) مئات المرات، وكل مرة قرأته فيها حصلت على فهم مختلف وأعمق". هذا مثال جيد لِكَّمْ نحتاج إلى التقدم أعمق وأعمق على الرغم من حصولنا على الفهم الصحيح من البداية.

التأمل على الموت

الآن يمكننا تفحص النقاط الأربع في سياق التأمل على الموت، بحيث يكون لدينا مثالًا عمَّا هم وكيفية تطبيقهم. بالطبع سنقوم بهذا فقط بعد تلقي التعاليم عن الموت وعن التأمل على الموت. عندما ننظر إلى الموت، هناك ثلاث حقائق أساسية والتي سنعمل معها:

  • الموت حتمي.
  • وقت الموت غير معروف.
  • في وقت الموت لن يساعدنا شيء إلا الدارما.

نحن جميعًا سنموت. هذا حتمي -أنا، أنت، كل من نعرفهم، وكل شخص أخر أيضًا. ونحن أيضًا لا نعرف متى سيحدث هذا، وعندما سنموت، لا شيء سيساعدنا سوى العادات الإيجابية التي قمنا ببنائها كجزء من استمراريتنا الذهنية.

الموت حتمي، لكن ما الذي يعتمد عليه (هذه هي بديهية الاعتمادية)؟ يمكننا إدراك عدة مستويات. أولهم، الموت يعتمد على الحياة، دون أن نكون أحياءً، لما كنا سنموت. وكل يوم، نحن نتقدم أكثر في السن، أجسادنا التي كانت في البداية قوية للغاية، تصبح أضعف. لذا الموت يعتمد على الجسد الذي يمرض، تصدمه سيارة أو ما شابه.

أهمية التفكير في الموت

على المستوى الأعمق فيما يخص بديهية الاعتمادية تلك، ما نحتاج إلى فهمه قبل التأمل على الموت هو أن الحياة البشرية التي لدينا الآن مُدهشة وثمينة للغاية. الوعي بالموت هدفه هو تحفيزنا للاستفادة الآن من تلك الحياة البشرية الثمينة. إذا لم نُقدِّر حياتنا وأن لدينا تلك الفرصة لكي نعمل على أنفسنا، عندها لن نفكر جديًا في فقداننا لتلك الحياة. لأن الأغلبية لا يفكرون في "أنا حي، ويمكنني استخدام جسدي وذهني لتحقيق شيئًا بَنَّاءً"، هم فقط يضيعون حياتهم. لذا، الوعي بالموت في حقيقته يعتمد على الوعي بالحياة.

نُدرك أن لدينا هذه الحياة البشرية الثمينة والخالية من المواقف الأسوأ التي يمكنها أن تمنعنا من أن نكون قادرين على الاستفادة منها حقًا. نحن لم نولد كصراصير يرغب كل من يرانا في أن يدهسنا. لم نولد كسمكة صغيرة تأكلها الأسماك الأكبر. نحن لم نولد كذبابة. فكروا في هذا، ما الذي كنا سنقوم به أو نحققه إذا ولدنا كذبابة؟ ليس الكثير، كنا سنقضي حياتنا منجذبين للغائط والقمامة.

بالتالي، الغرض من أن نكون واعين بالموت (بديهية الغاية) ليس مجرد أن نُحبط، "كم هذا بشع، أنا بالتأكيد سأموت". هذا ليس الهدف. الغاية من هذا الوعي هو أن يجعلنا راغبين في الاستفادة من الوقت الثمين الذي لدينا، لأننا لا نعرف حقًا متى سينتهي. مثل صديقي الأسبوع الماضي، والذي كان بصحة مثالية ولم يكن متقدمًا للغاية في السن. لم يدخن أو يتناول الكحول، لم يكن ضغط دمه مرتفعًا، كان يقوم بالكثير من التدريبات الرياضية، كان متدربًا متقدمًا على التأمل. وفي صباح أحد أيام، الأسبوع الماضي، بينما يستحم، جاءته أزمة قلبية، وسقط ميتًا. بهذه البساطة.

ليس هناك أي يقين عن متى سنفقد تلك الحياة، والموت يأتي عادة بشكل غير متوقع. ليس بالضرورة أن تتقدم في السن، أو أن تكون مريضًا. لذا فالغرض من أن نكون واعيين بالموت هو أن نتغلب على الكسل والتَلَكُّؤ، والتأجيل المستمر للأشياء. صديقي الذي توفى، آلان، يُقدم لنا مثالًا جيدًا. كانت والدته المتقدمة في السن مريضة للغاية، وكان يرغب بصدق في مساعدتها، سواء ماديًا أو جسديًا. لذا كان يذهب ليعتني بها دائمًا في عطلة نهاية الأسبوع -القيام بالتبضع لها وما شابه. كان دائمًا ما يقول أنه عندما تتوفى والدته فأول شيء سيقوم به هو التقاعد من العمل ليقوم بمعتزل فاجراساتفا لمدة عام كامل للتخلص من آثار الكارما السلبية السابقة، بعدها سيقوم بمعتزلات أطول. هذا ما كان ينتويه.

كما قلت، لقد كان متدربًا جادًا للغاية، لكنه لم يذهب أبدًا إلى معتزل للتأمل لأنه كان يرغب في أن يكون متاحًا لمساعدة والدته وتوفير احتياجاتها، لذا كان عليه أن يعمل. هل كان عليه أن يستمر في العمل ليساعد والدته، أم كان عليه الذهاب إلى المعتزل عندما كانت أمامه الفرصة ويترك الآخرين يعتنون بوالدته؟ ماذا تخبرنا الدراما؟ ما الذي تَحُثُنا عليه تعاليم الموت؟ من الجيد أن نفكر، ماذا كنت أفعل لو كنت بهذا الموقف؟

أحد الأفكار هي أن نقوم بالمعتزل ونساعد والدتنا في نفس الوقت. المعتزل لا يجب بالضرورة أن يكون بدوام كامل -يمكننا القيام بالجلسات الصباحية والمسائية، ونعتني بشئوننا الأخرى أثناء اليوم. من الجيد أن ندخل بالمعتزلات، لكن التعاليم تخبرنا أيضًا أنه من المهم أن نرد طيبة جميع الكائنات، خاصة أمنا التي منحتنا الحياة. عندما تعتني بوالديك تبني قدرًا هائلًا من الإمكانيات الإيجابية، خاصة عندما تقوم بهذا دون أي استياء مثل أن تقول، "كم أتمنى أن يموتوا، أنا أكره عملي وأرغب في التقاعد ". إذا لم نكن بحاجة للقلق بشأن والدينا فحينها بالطبع يجب أن نستغل حياتنا بقدر الإمكان.

عادة ما لا يأخذ معلمي الدارما التبتيين التلاميذ الغربيين على محمل الجد، لأن العديد منَّا ليس لديه الالتزام والتفاني نحو الدارما ليقدر حقًا قيمتها كما لدى العديد من التبتيين. الغربيين عادة ما يكونوا متراخين للغاية على طريقة، "أنا مرهق اليوم، سأحضر تلك التعاليم عندما تُقدم في وقت آخر". لكن إذا كنا جادين حقًا، ولدينا وعي بالموت وهذه الحياة البشرية الثمينة التي لدينا، لكان هذا سيجعلنا نذهب لتلقي التعاليم كل يوم تكون فيه تلك التعاليم متاحة، بغض النظر عما نشعر به.

الموت آتٍ حتمًا، فاسترخوا

حياتنا الثمينة ستنتهي. لا نعرف متى. قد نسقط موتى بأزمة قلبية أثناء الاستحمام؛ قد تصدمنا حافلة. ونحن لا نرغب في أن نُضيع حياتنا. الوعي بالموت يساعدنا في التغلب على الكسل ويسمح لنا بأن نستغل كامل الفرصة التي لدينا. لكن عند قيامنا بهذا من المهم للغاية ألا نكون مضغوطين وعصبيين. نحن عادة عصبيين ومضغوطين من أشياء غير مهمة، أشياء تافهة، ونصبح أيضًا غير مرنين في تدربنا على الدارما. نحتاج أن نكون مخلصين في تدربنا، لكن بطريقة مسترخية -مع ذلك فهذا لا يعني أن نكون كسولين. عندما نكون قد بنينا عادات إيجابية، عندها في وقت الموت لن تكون لدينا مشاكل لأننا نعرف أن تلك العادات ستساعدنا.

الموت هو الخاتمة المنطقية للحياة

بعد ذلك نقوم بإثبات ما إذا كانت تلك التعاليم متسقة منطقيًا مع ما عَلَمَّه بوذا (بديهية المنطقية). نحتاج عادة حتى نستطيع معرفة هذا أن نتلقى عدد لا بأس به من التعاليم أو نقرأ الكثير من الكتب البوذية. العديد من التعاليم البوذية تتحدث عن عدم الثبات، وبالتالي هي متسقة مع ما علمه بوذا.

هل هي منطقية؟ نعم، كل يوم نقترب أكثر من الموت. في وقت ما سينتهي كل شيء. الموت قادم لا محالة، لأنه ليس هناك ظرفًا ما يستطيع أن يُبعد عنَّا الموت. حياتنا لا يمكن مدها، والباقي منها ينقص يومًا بعد يوم، دقيقة بعد دقيقة، لحظة بعد لحظة. وكم هو شيئًا عظيمًا أن نستطيع حقًا استيعاب هذا على المستوى الشعوري، خاصة عندما نسمح لهذا أن يحدث بطريقة جادة، ولكن دون أن نصاب بالهلع. حتى إذا لم يكن لدينا الوقت ونحن أحياء للتدرب على الدارما، فسنموت. كل من عاش مات.

النتائج المفيدة

ماذا عن النتائج؟ حسنًا، إذا أصبحنا مقتنعين بأن الموت قادم وأن لدينا حياة بشرية ثمينة، النتيجة ستكون تقليل كسلنا، وتحقيق الاستفادة من كل الفرص المتاحة لدينا. يمكننا رؤية كم هذا مفيد من خبرتنا الشخصية.

البديهية الرابعة، الخاصة بطبيعة الأشياء، هل هذا صحيح، من الطبيعي أن أي شيء عاش يجب أن يموت. هذه هي طبيعة الأشياء، هذا هو الواقع، وليس هناك شيئًا يمكننا القيام به سوى تقبل هذه الحقيقة.

رأينا عبر هذا المثال كيف يمكننا استخدام تلك البديهيات الأربع، في صلتها بخبرتنا الشخصية، لنقوم بتحليل التعاليم. هذه عملية مستمرة، وتتطلب الكثير من الجهد لنصبح مقتنعين ١٠٠٪ ولأن نُدمجها بحياتنا. من السهل أن نصبح مقتنعين نظريًا، لكن من الصعب للغاية أن نجعل هذا الاقتناع يمتزج شعوريًا بوجداننا.

الجسد والذهن مختلفين -على سبيل المثال في سياق وفاة صديقي، ذهنيًا وشعوريًا أشعر بقدر كبير من السلام، لكن جسدي مستنزف تمامًا. لذا، هناك حزن على المستوى البدني، لأنه من الصعب أن نصل لهذا الشعور على المستوى الجسدي بأن "الكل يموتون". وهناك شعورًا ينشأ على المستوى الذهني من وقت إلى آخر لأن هذا شيء طبيعي. نحن لسنا بوذات بعد؛ نحن لسنا كائنات متحررة بعد. نحن لسنا أحرارًا من كل المشاعر المزعجة أو المعاناة بعد. لكن هذا هو ما نهدف إليه.

فيديو: الرينبوتشي  كاندرو – "أهمية التفكير في الموت"
لتشغيل الترجمة، رجاءً أضغط على علامة "CC" أو "الترجمة والشرح" بالركن السفلي على يمين شاشة عرض الفيديو. لتغير لغة الترجمة،  يُرجى  الضغط على علامة "Settings" أو "إعدادات"، ثم أضغط على علامة "Subtitles" أو "ترجمة"، واختار لغتك المفضل

الخلاصة

ما أن نعرف حقًا ماهية التحرر والاستنارة، حتى يمكننا أن نضع هدفنا. عندها سنعمل لأجل ما نرغب به بالفعل، يمكننا أن نعمل من خلال خطوات ستصل بنا لهذا الهدف. البديهيات الأربع مفيدة في مساعدتنا لاكتساب الثقة فيما نقوم به.

عندما نتأمل على الموت، ونفهم حقًا أننا سنموت، ومع ذلك ليس لدينا أدنى فكرة عن متى سيحدث هذا، يحثنا هذا على وضع جهدنا فيما له قيمة بالفعل. الوعي بالموت يجلب لنا تغييرًا داخليًا لا يُصدق، يجعل الاستسلام للكسل أو الاكتئاب شيئًا مستحيلًا.

Top