مقارنة بين تقلِيدَيْ الماهايانا والهينايانا

مصطلح الهينايانا يعني (الناقلة الأقل أو الناقلة المتواضعة) ومصطلح الماهايانا يعني (الناقلة الأعظم أو الناقلة الشاسعة) نشأتهما كانت في سوترات البراجنابيراميتا (سوترات الوعي التمييزي الذي سيأخذنا بعيدًا. إتقان الحكمة أو سوترات الحكمة). إنهما زوج من الكلمات التي تقوم بتبجيل الماهايانا والتقليل من شأن الهينايانا. مع ذلك، فالمصطلحات البديلة بها العديد من العيوب، لهذا فسوف استخدم هذان المصطلحان الأكثر استعمالًا. 

[اطلع على: مصطلحا الهينايانا والماهايانا]

تتضمن الهينايانا ثمانية عشر مدرسة. الأكثر أهمية منها لأهدافنا هما السارفاستيفادا والثيرافادا. توجد الثيرافادا حاليًا في سيريلانكا وجنوب شرق آسيا. السارفاستيفادا انتشرت قي شمال الهند عندما بدأ التبتيون السفر إلى هناك، وبدأ نقل البوذية وغرزها في التبت. 

كان هناك قسمان أساسيان للسارفاستيفادا قائمان على الاختلافات الفلسفية بينهما وهما: الفيباشيكا والسوترانتيكا. أنظمة معتقد الهينايانا التي تمّت دراستها في جامعات الأديرة الهندية مثل نالاندا، ولاحقًا تمّت دراستها من قِبَل التبتيين التابعين للهينايانا، كانت من هاتَين المدرستين. سلسلة معلمي نقل العهود الرهبانية المُتّبَعة في التبت جاءت من قسم فرعي للسارفاستيفادا، وهو المولاسارفاستيفادا. 

[اطلع على: البوذية في الهند قبل حروب القرن الثالث عشر]

البوذات والأرهات 

هناك فرق كبير بين عروض الماهايانا والهينايانا للأرهات والبوذات. كلاهما يتفقان في أن الأرهات، أو الكائنات المتحررة، أكثر محدودية مقارنة بالبوذات، أو الكائنات المستنيرة. تصوغ الماهايانا هذا الفرق على هيئة مجموعتين من المُعيقات: الشعورية التي تمنع التحرر، والإدراكية التي تمنع المعرفة الكلية. الأرهات متحررون فقط من المُعيقات الشعورية، بينما البوذات متحررون من الاثنين. هذا التقسيم لا نجده في الهينايانا. هذه صياغة محضة لمدرسة الماهايانا. 

تؤكد كل من مدرستي الهينايانا والماهايانا على إنه، لبلوغ التحرر والاستنارة، يجب على الفرد أن يكون لديه إدراك غير مفاهيمي لانعدام "الروح" المستحيلة. مثل هذا الانعدام عادة ما يُطلق عليه "اللا-ذات"، أو أناتما باللغة السنسكريتية، اللغة الهندية للنص الأساسي للسارفاستيفادا والماهايانا، الأناتا باللغة البالية، لغة نص الثيرافادا. تؤكد مدرسة الهينايانا على انعدام "الروح" المستحيلة فيما يخص الأشخاص فقط، وليس جميع الظواهر. الأشخاص منعدمو "الروح" المستحيلة، أتمان، والتي لا تتأثر بأي شيء، لا تتجزأ، ومستقلة عن الجسد والذهن، والتي من الممكن إدراكها بذاتها. مثل هذه "الروح" مستحيلة، مع مجرد فهم عدم وجود شيء كهذا وأن هذه "الروح" مستحيل وجودها بالنسبة للأشخاص، يمكن للفرد أن يُصبح أرهات أو بوذا، الفرق يعتمد على القوى الإيجابية أو الإمكانات الإيجابية التي يبنيها الأشخاص. وبسبب تنميتهم للهدف المستنير للبوديتشيتا، فالبوذات يبنون قِوى إيجابية أكثر بكثير من الأرهات. 

تؤكد الماهايانا على أن البوذات تفهم انعدام "الروح" المستحيلة فيما يتعلق بجميع الظواهر كما تؤكد عليه فيما يخص الأشخاص. تُطلق الماهايانا على هذا الانعدام "الخلو". تختلف المدارس الهندية المتعددة للماهايانا فيما يتعلق بما إذا كان الأرهات يُدركون خلو الظواهر أم لا. بالمياهايانا، تؤكد مدرسة براسنغيكا ماديامكا على أن الأرهات يُدركون خلو الظواهر، إلا أن التقاليد التبتية الأربعة تشرح هذه النقطة بشكل مختلف فيما يتعلق بتأكيدات البراسنغيكا. البعض يقول أن فهم خلو الظواهر من قِبَل الأرهات مختلف عن فهم البوذات له، بينما يقول آخرون أن فهمهما واحد. يقول البعض الآخر أن نطاق الظواهر التي ينطبق عليها الخلو أكثر محدودية عند الأرهات عنه عند البوذات، بينما يؤكد آخرون على أنهما واحد. لسنا بحاجة للخوض في جميع التفاصيل هنا. 

نقاط إضافية متعلقة بالأرهات والبوذات 

تأكيدات الهينايانا والماهايانا المتعلقة بالأرهات والبوذات تختلف في نَواح متعددة أخرى. الثيرافادا على سبيل المثال، تؤكد على إن أحد هذه الاختلافات بين الشرافاكا أو "المستمعون" الساعين لتحرر الأرهات والبوديساتفات الساعين إلى استنارة بوذا، هي أن متدربي ناقلة الشرافاكا يدرسون مع معلمين بوذيين، بينما لا يقوم البوديساتفات بذلك. فشاكياموني بوذا تاريخيًا على سبيل المثال، لم يدرس مع بوذا آخر، وإنما درس فقط مع معلمين غير بوذيين، ورفض أدواتهم في النهاية. وانطلاقًا من حقيقة أن فهم وتحققات بوذا لم ينشآ اعتمادًا على معلم بوذي، لذا تؤكد الثيرافادا على أن حكمة بوذا تفوق حكمة الأرهات. 

بالإضافة لذلك، يعمل البوديساتفات ليُصبحوا معلمين بوذيين عالميين، بينما متدربي ناقلة الشرافاكا لا يعملون على ذلك، برغم أنهم كأرهات بالتأكيد يُدرِّسون لتلاميذ. قبل موت بوذا، قام بنفسه بانتداب الأرهات شاريبوترا لمواصلة "إدراة عجلة الدارما".

إلا إنه، وِفقًا للثيرافادا، البوذات تفَوَّق الأرهات من حيث امتلاكهم للأدوات الماهرة لقيادة الآخرين نحو التحرر وفي اتساع نطاق أساليبهم في التدريس. البوذات تَفوق الأرهات أيضًا في كلية معرفتهم. البوذات قادرون على معرفة أي شيء عبر الانتباه إلى الأمور ذات الصلة إذا أرادوا هذا. لكن فيما يخص معرفة المستقبل فهناك بعض الحدود حيث أن بوذا لا يقبل وجود مستقبل راسخ، وفيما يتعلق بالماضي، يتذكر البوذات عبر ماضيهم الخاص.

وفقًا لمدرسة الفايباشيكا بتقليد الهينايانا، فالبوذات بالفعل كليي المعرفة فيما يخص الماضي، الحاضر والمستقبل ولكنهم فقط يعرفون شيء واحد في المرة الواحدة. وفقًا لتقليد الماهايانا، كليّ المعرفة تعني معرفة كل شيء في الوقت ذاته. هذا ينبُع من رؤية الماهايا الخاصة بأن كل شيء متصل تبادليًا ومعتمد تبادليًا؛ فليس بإمكاننا الحديث عن معلومة واحدة، ليس لها علاقة تمامًا بباقي المعلومات. 

تقول الهينايانا أن بوذا تاريخيًا حقَّق الاستنارة في تلك الحياة، ومثل الأرهات، عندما توفي، انتهت استمراريته الذهنية. بالتالي، فوفقًا للهينايانا، درَّس بوذا فقط في حياته التي حقق فيها الاستنارة. وأن البوذات لم يتجسدوا في أنظمة عوالم لا نهائية ولا يقومون بالتدريس إلى الأبد، كما تؤكد الماهايانا. الماهايانا فقط التي تؤكد على أن شاكياموني بوذا بلغ الاستنارة في حيوات سابقة منذ العديد من الدهور، من خلال التعلُّم على يد معلمين بوذيين. وإنه فقط كان يقوم بعرض بلوغه للاستنارة تحت شجرة بودهي كواحدة من مآثر الاستنارة الاثني عشر لبوذا. سنجد الإشارة لتوصيف بوذا هذا في مدرسة الماهاسانغيكا بمدرسة الهينايانا، واحدة أخرى من المدارس الثمانية عشر للهينايانا، ولكن هذا الوصف غير موجود في أيٍ من السارفاستيفادا أو الثيرافادا. 

فيما يتعلق بالبوذات، اختلاف ضخم آخر تؤكد عليه الماهايانا فقط، وهو الأجساد الثلاثة لبوذا -النيرماناكايا، السامبوكاكايا، والدارماكايا. الهينايانا لا تؤكد عليها. لذا، فمفهوم بوذا مختلف تمامًا في الهينايانا عنه في الماهايانا. 

مسارات الذهن التي تقود إلى التحرر والاستنارة 

تؤكد كل من الماهايانا والهينايانا على أن مراحل التقدم إلى الحالة النقية أو "البودهي"، لكل من الأرهات وبوذا تتطلب تنمية المستويات الخمسة لمسارات الذهن -التي تُدعى "المسارات الخمسة". هذه المسارات هي،  مسار البناء الذهني أو المُراكمة، مسار التطبيق الذهني أو مسار الإعداد، مسار الرؤية الذهني أو مسار الرؤية، مسار التعويد الذهني أو مسار التأمل، ومسار عدم الحاجة للمزيد من للتدرب أو مسار اللا-تعلُّم. متدربو ناقلة الشرافاكا والبوديسادفات الذين بلغوا مسار الرؤية للذهن يُصبحون أرهات، كائنات سامية الإدراك. كلاهما لديه الإدراك غير المفاهيمي للجوانب الستة عشر للحقائق الأربع النبيلة. 

تتفق كل من الهينايانا والماهايانا على أن مسار الرؤية الذهني يُخلص كل من الأريا شرافاكا والأريا بوديساتفات من المشاعر المُزعجة القائمة على أساس مذهبي، بينما مسار التعويد الذهني يُخلصهما من النشوء التلقائي للمشاعر المزعجة. المُزعجة القائمة على أساس مذهبي هي نتيجة تعلُّم مجموعة من تأكيدات لواحدة من المدارس الهندية غير البوذية، بينما تنشأ المشاعر المزعجة تلقائيًا لدى الجميع، بما في ذلك الحيوانات. قائمة المشاعر المزعجة التي يتخلص منها أريا الشرافاكا وأريا البوديساتفات، هي جزء من قائمة أضخم للعوامل الذهنية. كل مدارس الهينايانا لديها قائمتها الخاصة من العوامل الذهنية، بينما تتبنى الماهايانا قائمة أخرى. العديد من العوامل الذهنية يتم تعريفها بشكل مختلف في كل قائمة. 

تتفق كلٌ من الهينايانا والماهايانا على أن عملية التقدم خلال المسارات الخمسة للذهن تتطلب التدرُّب على السبعة والثلاثين عاملاً التي تقود إلى الحالة النقية. تُشير "الحالة النقية" أو "بودهي" إلى حالة الأرهات أو الاستنارة. هذه العوامل السبعة والثلاثون تتضمن الإيضاعات الأربع اللصيقة للحضور الذهني، الأفرع الثمانية لمسار ذهن الأريا (المسار الثُماني النبيل)، وهكذا. إنها في غاية الأهمية. في تانترا الأنوتارايوغا، يتم تمثيل العوامل السبعة والثلاثين على هيئة أذرع اليامانتاكا الأربع وثلاثين بالإضافة إلى جسده، حديثه وذهنه، تتمثل كذلك على هيئة الداكينات لجسد الماندالا للفاجرايوغيني. العوامل السبعة وثلاثون هي المجموعة المعيارية للتدريبات. مع ذلك، فإن الأشياء الخاصة بكل تدرُّب عادة ما تختلف بين الهينايانا والماهايانا. 

تؤكد كل من الهينايانا والماهايانا على أن الأنظمة الخاصة الداخل للتيار، عائد مرة واحدة، الذي لن يرجع مرة أخرى والأرهات تُشير إلى مراحل مسار الأريا شرافاكا، ولكن لا تُشير إلى مسار الأريا بوديسادفات. بالتالي، الداخلين للتيار لديهم إدراك غير مفاهيمي للجوانب الستة عشر للحقائق الأربع النبيلة، والذي يتضمن الإدراك غير المفاهيمي لانعدام "الروح" المستحيلة للأشخاص. علينا ألا نعتقد بأن مرحلة الدخول للتيار هي مرحلة للمبتدئين. لذا، عندما يدّعي أحدهم بأنه حقق حالة الدخول للتيار، عليكم أن تكونوا مُتشككين في الأمر. 

الهينايانا لا تُوفّر شرحًا مستفيضًا لمسارات الذهن الخاصة بالبوديساتفات. بينما الماهايانا توضح أن مسار الأريا بوديساتفات نحو الاستنارة يتطلب التقدم خلال تنمية المستويات العشرة لذهن البومي. هذه المستويات العشرة للذهن ليست لها علاقة بمسار متبعي ناقلة الشرافاكا. 

تتفق كل من الهينايانا والماهايانا على أن اجتياز مسار البوديساتفات نحو الاستنارة يتطلب وقتًا أطول من اجتياز مسار الشرافاكا نحو حالة الأرهات. مع ذلك، فالماهايانا فقط التي تتحدث عن بناء شبكتي الاستنارة -المراكمتين- لثلاثة زيليون دهر. "الزيليون" عادة ما تُترجم إلى "عدد غير قابل للحصر" بمعنى إنه رقم محدود، لكن ليس بالإمكان عدُّه. من الناحية الأخرى، متبعو ناقلة الشرافاكا بإمكانهم بلوغ حالة الأرهات في فترة قصيرة من ثلاث حيوات. في الحياة الأولى، يبلغ الشخص مستوى الدخول للتيار، في الحياة الثانية يبلغ العودة لمرة واحدة، وفي الحياة الثالثة يبلغ الشخص مستوى اللاعودة، تحقيق التحرر، ويُصبح الشخص أرهات. هذا مغري جدًا للعديد من الأشخاص. 

التأكيد الذي يقول أن الأرهات أنانيون ليس إلا دعاية للبوديساتفا. فالمقصود من الأمر بالأساس هو توضيح الذهاب لموقف متطرف لتجنبه. ذكرت السوترات أن بوذا طلب من تلاميذه الأرهات الستين أن يُدَرّسوا. إذا كانوا حقًا أنانيون، فلم يكونوا ليقبلوا القيام بذلك. مع ذلك، الأرهات بإمكانهم فقط مساعدة الآخرين حتى مدى مُعين مقارنة بما يستطيع أن يقدمه بوذا. إلا أن، كلاهما بإمكانهما مساعدة الأشخاص الذين لديهم الكارما التي تتيح لهما مساعدتهم. 

البوديساتفات 

من المهم معرفة أن مدارس الهينايانا تؤكد على أنه، قبل أن يُصبح الشخص بوذا، عليه اتباع مسار البوديساتفات. كل من الهينايانا والماهايانا لديهما قصص متنوعة للجاتاكا والتي تصف الحيوات السابقة للشاكياموني بوذا عندما كان بوديساتفا. بداية من الملك سيري سانغابودي في القرن الثالث قبل الميلاد، حتى أنه العديد من ملوك سيريلانكا أطلقوا على أنفسهم بوديساتفات. بالطبع، هذا شيء من الصعب تفكيكه إلى حد ما لأنه في هذا الوقت كان هناك بعض الماهايانا موجودين في سريلانكا. كَون وجود ملوك البوديساتفا سبق وجوده تأثير الماهايانا أم لا، فهذا شيء يصعب معرفته، لكن هذا الأمر حدث فعليًا. وحتى ما هو مفاجئ أكثر، ففي القرن الخامس قبل الميلاد، كبار السن في أنورادابورا عاصمة سيريلانكا أعلنوا أن بوداغوسا، الثيرافادا العظيم علَّامة الأبيدارما، هو إعادة ميلاد البوديساتفا مايتريا. 

تؤكد الماهايانا على وجود آلاف البوذات في هذا "الدهر الميمون" الذين سيبدؤون الديانات العالمية، وأنه كان هناك وسيظل هناك العديد من البوذات في عصور أخرى من العالم. تؤكد الماهايانا أيضًا على إن الجميع بإمكانهم أن يُصبحوا بوذات، لأن الجميع لديهم عوامل طبيعة بوذا التي تسمح بتحقيق ذلك. إلا أن الثيرافادا ذكرت المئات من البوذات في الماضي. إحدى سوترات الثيرافادا أدرجت قائمة بسبعة وعشرين اسمًا. جميعهم كانوا بوديساتفات في البداية وأصبحوا بوذات. تؤكد الثيرافادا أنه سيكون هناك عددًا لا نهائيًا من البوذات في المستقبل كذلك، بما في ذلك أن مايتريا هو التالي، وأن أي شخص بإمكانه أن يُصبح بوذا إذا تدرَّب على المواقف الداخلية العشرة التي ستأخذنا بعيدًا. 

المواقف الداخلية العشرة التي ستأخذنا بعيدًا 

تقول الماهايانا أن المواقف الداخلية العشرة التي ستأخذنا بعيدًا، يتدرب عليها فقط البوديساتفات وليس متبعو ناقلة الشرافاكا. هذا لأن الماهايانا تُعرِّف المواقف الداخلية التي ستأخذنا بعيدًا أو "الإتقانات" على إنها يتم حيازتها من خلال قوة هدف البوديتشيتا. 

مع ذلك، فوِفْقًا للثيرافادا، طالما أن المواقف الداخلية العشرة يتم حيازتها من خلال قوة التخلي، العزم على التحرر، فالبوديتشيتا ليست ضرورية من أجل أن يصبح تدربهم على تلك المواقف الداخلية هو تدرب على المواقف الداخلية التي ستأخذنا بعيدًا وبالتالي ليس سببًا للتحرر. بالتالي، تؤكد الثيرافادا على أن كل من البوديساتفات ومتبعي ناقلة الشرافاكا يتدربون على المواقف الداخلية العشرة التي ستأخذنا بعيدًا. بعيدًا عن اختلاف دوافع الأهداف خلفها، الاختلاف الأساسي الآخر بين تدرُّب البوديساتفات والشرافاكا على المواقف الداخلية العشرة التي ستأخذنا بعيدًا هو درجة الكثافة. لذا، فكل واحد من المواقف الداخلية العشرة التي ستأخذنا بعيدًا به ثلاث درجات أو مراحل: العادي، المتوسط، والسامي. مثلًا، التدرُّب السامي على الكرم قد يكون بإعطاء الجسد لإطعام نمر جائع، كما فعل بوذا في إحدى حيواته السابقة كبوديساتفا. 

كذلك تختلف قائمة المواقف الداخلية العشرة التي ستأخذنا بعيدًا بشكل طفيف بين الثيرافادا والماهايانا، قائمة الماهايانا هي:

  • الكرم
  • الالتزام الذاتي الأخلاقي
  •  الصبر
  • المثابرة
  • الاستقرار الذهني (التركيز)
  • الوعي التمييزي (الحكمة)
  • المهارة في استخدام الأدوات
  • الطموح للإلهام
  • التقوية
  • الوعي العميق. 

قائمة الثيرافادا لا تحتوي على الاستقرار الذهني، والمهارة في استخدام الأدوات، الطموح للإلهام، التقوية والوعي العميق، وتضع بدلًا عنهم ما يلي:

  • التخلي
  • أن تكون وفيًا لما تقوله
  • التصميم
  • الحب
  • التوازن. 

المواقف الداخلية الأربعة المتعذر قياسهم

كل من الهينايانا والماهايانا يُدرسان تدرُّب المواقف الداخلية الأربعة المتعذر قياسهم للحب، الشفقة، البهجة والتوازن. كلاهما يُعرِّفان الحب على أنه الأمنية للآخرين بأن يمتلكوا السعادة وأسبابها، والشفقة على أنها الأمنية لهم بالتحرر من المعاناة وأسبابها. مع ذلك، فالهينايانا، لا تُنمّي تلك المواقف الداخلية الأربعة المتعذر قياسهم من خلال المتسلسلة المنطقية، مثل أن جميع الكائنات كانوا أمهاتنا وما إلى ذلك. بدلًا عن ذلك، تبدأ بتوجيه الحب إلى أولئك الذين نُحبهم بالفعل ومَدِّ نطاق الحب من هذه النقطة، من خلال مراحل، نحو نطاق أوسع تجاه الآخرين. 

تعريف كلٌّ من البهجة المتعذر قياسها والتوازن المتعذر قياسه مختلف عند كلٍّ من الهينايانا والماهايانا. في الهينايانا، البهجة المتعذر قياسها تُشير إلى الابتهاج بسعادة الآخرين، دون أي غيرة، والأمنية لها بالزيادة. في الماهايانا، البهجة المتعذر قياسها هي الأمنية للآخرين بأن يمتلكوا بهجة الاستنارة التي لا تنتهي. 

التوازن هو الحالة الذهنية الخالية من التعلق، النفور واللامبالاة. في الثيرافادا، يُولد التوازن نحو نتائج حُبنا، شفقتنا وبهجتنا. فنتائج محاولتنا لمساعدة الآخرين فعليًا مُتوقّفة على الكارما الخاصة بهم ومجهودهم، برغم إنه، كما مع الماهايانا، فالثيرافادا تَقبل إمكانية نقل القِوى الإيجابية، أو الإمكانات الإيجابية للآخرين. فنحن نتمنى لهم أن يكونوا سُعداء وأن يتحرروا من المعاناة، ولكن أن يكون لدينا توازن نحو ما يحدث بالفعل. هذا لأننا نعرف بأن عليهم القيام بالعمل بأنفسهم. في الماهايانا، التوازن المتعذر قياسه يعني الأمنية للآخرين بالتحرر من التعلق، النفور واللامبالاة. لأن هذه المشاعر والمواقف الداخلية المزعجة تجلب لهم المعاناة. 

برغم أن الوصول إلى حالة التحرر للأرهات تتطلب تنمية الحب والشفقة، إلا أنها لا تتطلب تنمية حل استثنائي أو هدف البوديتشيتا. الحل الاستثنائي هو حالة ذهنية حاسمة تمامًا لتحمل مسئولية المساعدة في توجيه الجميع نحو التحرر والاستنارة. هدف البوديتشيتا هو حالة ذهنية لبلوغ استنارتنا الشخصية، من أجل تحقيق هدف الحل الاستثنائي هذا. بما أن الهينايانا تحتوي على قدر قليل من التفاصيل الخاصة بمسار البوديساتفا، فإنها لا تشرح هذين الموقفين الداخليين. تُحدد الماهايانا بالمزيد من التفاصيل تدريبات التأمل الخاصة بتنميتهما. 

إذن، فالهينايانا تُشدِّد على تنمية المواقف الداخلية الأربعة المتعذر قياسهم، كطريقة للتغلب على المشاعر المزعجة المضادة لها عند الشخص. الحب هو مضاد النية السيئة، فهو يحرر الفرد مؤقتًا من أفكار العداوة، العدائية أو الضيق، القلق أو الخوف. الشفقة هي مُضاد امتلاك موقف داخلي قاسٍ أو مؤذٍ. البهجة أو الابتهاج هو مُضاد للغيرة، والتوازن هو مُضاد التوقعات، القلق أو الإحباط واللامبالاة. علاوة على ذلك، من ينتمي للثيرافادا يعمل على تنمية هذه المواقف الداخلية الأربعة بداية نحو أنفسهم، قبل توجيهها نحو الآخرين. في الماهايانا، التركيز يكون على تجارب الآخرين بدلًا من التجارب الذاتية تجاههم. 

الحقيقتان 

برغم أن الهينايانا لا تُشدِّد على انعدام "الروح" المستحيلة للظواهر، أو الخلو، فالحالة ليست أن الهينايانا لا تناقش طبيعة جميع الظواهر بشكل عام. تقوم الهينايانا بمناقشته من خلال عرضها الخاص بالحقيقتين لجميع الظواهر. تمهيد الحصول على فهم خلو الظواهر هو فهم الحقيقتين. في الماهايانا، الحقيقتان هما الحقيقتان الخاصتان بالظواهر نفسها. في الهينايانا، الحقيقتان هما مجموعتان من الظواهر. فهناك ظواهر حقيقية سطحية أو شائعة، وهناك ظواهر حقيقية أعمق أو مُطلقة. 

في السارفاستيفادا، تؤكد الفايباشيكا على أن الظواهر الحقيقية السطحية هي الأشياء المادية والظواهر الذهنية التي تفقد هويتها الشائعة عندما نُحللها إلى الأجزاء المُكَوِّنة لها. مثلًا، عندما نُحلل أيدينا إلى ذرات أو متسلسلة الفكرة إلى اللحظات المُكَوِّنة لها،عندها لن نظل قادرين على رؤية الذرات على أنها يدنا أو أي من اللحظات على أنها متسلسلة لفكرة ما. الظواهر الحقيقية الأعمق هي أشياء، عندما نُحللها، نظل بإمكاننا إدراك هويتها الشائعة. تؤكد الفايباشيكا على أن جميع الجزيئات المُكَوِّنة للشيء المادي وأصغر لحظة من الإدراك ليست مُكوَّنة من أجزاء، فهي الأشياء الأصغر المُطلقة. وهي تحتفظ بهويتها مهما حللناها. من المهم إدراك أن ما نراه هو الظواهر الحقيقية السطحية، ولكن على المستوى الأعمق، فالأشياء مُكَوَّنة من جزيئات ولحظات. بإمكاننا رؤية كيف أن هذا يقود إلى فهم أن المستوى السطحي ما هو إلا شيء مشابه للوهم. 

وفقًا للسوترانتيكا، الظواهر الحقيقية السطحية هي هيئات ميتافيزيقية، هي إسقاطاتنا على الأشياء، بينما الظواهر الحقيقية الأعمق هي الأشياء الفعلية نفسها، هنا، يبدأ الشخص في فهم أن إسقاطاته مشابهة للوهم. إذا تخلصنا من إسقاطاتنا، سنتمكن من رؤية ما هو موجود بشكل مجرد. إسقاطاتنا مشابهة للوهم. 

وفقًا للثيرافادا، ظواهر الحقيقية السطحية هي ظواهر تم إيعازها ذهنيًا. هذا يُشير إلى الأشخاص والأشياء المادية، سواءً كانت داخل الجسد أو خارجه. ظواهر الحقيقية الأعمق هي ما يتم الإيعاز عليه. الجسد والأشياء المادية يتم إيعازها على العناصر ومجالات الحواس التي نتلقاها. ما هي البرتقالة؟هل هي الشكل، الرائحة، الطعم، الإحساس المادي؟ البرتقالة هي ما نقوم بإيعازه على كل تلك الأشياء. بالمثل، الشخص هو ما يمكن نقوم بإيعازه على عوامل التجمعات الخاصة بالجسد والذهن. الأنواع الستة للوعي الأساسي والعوامل الذهنية هي الظواهر الحقيقية الأعمق، لأن الشخص مُعنون عليها أو يُعزى عليها.

برغم عدم تحدث أيٍّ من مدارس الهينايانا عن خلو جميع الظواهر، إلا أنهم يقولون أنه من المهم فهم الظواهر الحقيقية الأعمق بشكل غير مفاهيمي من أجل الحصول على التحرر. وبالتالي فإن السِّمة مشابهة إلى حد كبير لعرض الماهايانا. 

لدى الثيرافادا أيضًا شرح مختلف للكارما، غير الموجود في مدارس السارفاستيفادا أو الماهايانا، لكننا لن نتطرق لهذا الآن. 

الخلاصة

مع هذه المقدمة، بإمكاننا البَدء في تقدير كم أن مدارس الهينايانا للثيرافادا والسارفاستيفادا فعليًا لديهم النكهة الكاملة للتعاليم البوذية. يمكن أن يساعدنا ذلك في تجنب ارتكاب خطأ هجر الدارما من خلال القول على أي تعاليم من تعاليم بوذا ليست تعاليم بوذية. عندما نفهم المدارس المختلفة بشكل ملائم من وجهة نظرها الخاصة، سنتمكن من تنمية قدر كبير من الاحترام تجاه جميع تعاليم بوذا. هذا شيء غاية في الأهمية.

Top