مصدر التعاليم وإيثار الآخرين

تحليل كلمة لوجونغ

مصطلح "تدريب الذهن" هو الترجمة المعتادة للمصطلح التبتي "لوجونغ". عندما نتفحص معنى كلمة لوجونغ بشكل أكثر دقة، نكتشف أن المقطع الأول "لو" يعني "الموقف الداخلي". يشير هذا إلى أن ما نتعامل معه ليس فقط الذهن بشكل عام، لكن حقًا الموقف الداخلي الذي ننظر به للأشياء، كيفية تعاملنا مع العالم. المقطع الثاني "جونغ" هو كلمة مثيرة جدًا للاهتمام. من جانب هي تعني "تدريب"، لكن من جانب آخر هي تعني أيضًا "تنقية". يشير هذا إلى أنه من أجل أن نُدرب أنفسنا، نحقق تقدمًا، نحتاج لأن ننقي أنفسنا من كل المعيقات مثل المواقف الداخلية السلبية، المشاعر المزعجة، وما شابه. إنه عبر التنقية والتخلص من تلك السلبيات، نحن نُدرب أنفسنا فعليًا. هذا هو كامل معنى مصطلح "لوجونغ".

ما نحتاج لأن نتدرب عليه وننميه هو ما يطلق عليه "يونتِن"، ويُترجم هذا المصطلح إلى "الخصال الجيدة". تعني كلمة "يونتِن" حرفيًا "تقويم الانحراف". إنه تصحيح لما انحرف بالاتجاه الخاطئ، حتى يمكننا أن نتجه نحو الاتجاه الصحيح. هذا بشكل كبير يتوافق مع الفكرة البوذية الخاصة بأننا بحاجة لأن نتخلص من المعاناة وأسبابها. بالأساس، لننمي الخصال الإيجابية، يجب أن نتخلص من الخصال السلبية.

هذه الشروح الاشتقاقية لمصطلحي "لوجونغ" و"يونتِن"، والتي تلقيتها من الرينبوتشي سيركونغ، تسمح بالمقاربتين الأساسيتين للمواد التي نجدها في البوذية التبتية. من جانب، يشرح تقليد الغيلوك أنه، بالإضافة لتنقية سلبياتنا، نحتاج لأن نبني الخصال الإيجابية الجيدة بناءً على إمكانياتها. تتكون طبيعة بوذا الخاصة بنا من إمكانيات كل الخصال الإيجابية.

من جانب آخر، يشرح تقليد النييغما أن كل الخصال الإيجابية موجودة بالكامل بالفعل كجزء من طبيعة بوذا، وهي ليست فقط موجودة كإمكانيات. تلك الخصال الإيجابية غير فاعلة بعد، لأنها مغطاة بالخصال السلبية، أو "الملوثات العابرة"، كما يُطلق عليها. بالأساس، نحتاج لأن نخلص أنفسنا من تلك الملوثات، وفقًا لشرح الدزوجتشِن، من أجل أن نكشف كل الخصال التي لدينا بالفعل.

بالطبع، يمكن المناظرة بشأن ما إذا كان كل تدريب في تدريبات النييغما يهدف فقط للتنقية، حيث أنهم يتأملون فعليًا على الحب، الشفقة والبوديتشيتا، والتي تساهم في بناء الإمكانات الإيجابية. لكن على أي حال، هاتان الطريقتان في صياغة الكيفية التي نتقدم بها على المسار قائمتان على هاتين الطريقتين الخاصتين بفهم معنى أن تكون لدينا خصالاً جيدة ومعنى أن ننقي وندرب مواقفنا الداخلية.

سلسلة معلمو تقليد تدريب المواقف الداخلية لوجونغ

يأتي تقليد تدريب الذهن أو المواقف الداخلية (أو تنقية الذهن أو المواقف الداخلية) من تعاليم بوذا، لكن تم التركيز عليه بشدة في القرن الثامن على يد العلامة الهندي شانتيدِفا في نصه: "الانخراط في سلوك البوديساتفات"، في الفصل الخامس الخاص بالحماية عبر الانتباه، يقول:

(٩٧) من خلال كل سلوكيات البوديساتفا غير المحدودة التي تم التحدث عنها، بالتأكيد سأضعها موضع التدرب (على الأقل) حتى أغطي نطاق سلوك تنقية الذهن.

يذكر البيت بوضوح مصطلح لوجونغ، "تنقية الذهن". معظم ما يرد بعد ذلك في نص شانتيدِفا يمكن فهمه كسابقة لكامل تقليد اللوجونغ، كما سنرى في كامل نص الأبيات الثمانية.

عادة ما نتحدث عن تقليدين أساسيين في التعاليم البوذية. الأول هو "سلسلة معلمو التعاليم العميقة"، والتي تم من خلالها نقل تعاليم بوذا الخاصة بالخلو. تم نقل تلك التعاليم من مانجوشري إلى ناغرجونا وفي النهاية إلى شانتيدِفا. الثاني هو "سلسلة معلمو التعاليم الشاسعة"، والتي نقلت التعاليم الخاصة بالبوديتشيتا، والتي تم تناقلها من مايتريا إلى أسانغا وفي النهاية أيضًا لشانتيدِفا.

مع ذلك، بالإضافة لتلك السلسلتين، هناك سلسلة ثالثة لنقل تعاليم بوذا. هذه هي الخاصة بنقل تعاليم اللوجونغ، تنقية المواقف الداخلية. تلك السلاسل الثلاث تُكوِّن سلاسل نقل تعاليم السوترا. بالإضافة، بالطبع، هناك أيضًا عدة سلاسل لنقل تعاليم التانترا، بما في ذلك سلسلة معلمي الماهاسيدات.

بحلول القرن العاشر، في وقت أتيشا، لم تكن سلسلة نقل تعاليم اللوجونغ موجودة في الهند. لربما سمع أتيشا عن هذه التعاليم من معلمه الهندي دارماراكشيتا، مؤلف نص "عجلة الأسلحة الحادة"، وهو النص الذي يتعامل مع العديد من موضوعات اللوجونغ. بعد ذلك سافر أتيشا إلى سومطرة، حيث درس تعاليم اللوجونغ مع العلامة العظيم سِرلينغبا. لاحقًا بعد عودته للهند، جلب أتيشا تعاليم اللوجونغ تلك للتبت. تمشيًا مع هذا التقليد، كتب أتيشا بنفسه نص "إكليل جواهر البودساتفات". نقل أتيشا بعد ذلك تلك التعاليم إلى تلميذه التبتي الأساسي درومتونبا، وبعد ذلك نقلها درومتونبا إلى الغيشي بوتووا. عبر هؤلاء العلامات العِظام تمّ تكوين تقليد الكادم في التبت.

كان لدى الغيشي بوتووا تلميذين يُطلق عليهما المشابه للشمس والمشابه للقمر. الأكبر سنًا بينهما كان لانغري تانغبا، مؤلف نص "الأبيات الثمانية لتدريب الذهن"، أو "الأبيات الثمانية للوجونغ". الأصغر سنًا بينهما كان الغيشي شاراوا، والذي درس على يده الغيشي تشِكاوا، مؤلف نص "النقاط السبعة لتدريب الذهن"، بعد سماعه لأحد أبيات نص لانغري تانغبا، "ليتني أقبل على نفسي الهزيمة وأمنح النصر للآخرين". مع ذلك، لانغري تانغبا، كان قد توفى بالفعل حينها.

هؤلاء هم علامات تقليد الكادام والذين يشار إليهم بلقب "غيشي"، على الرغم من أن هذا اللقب لم يكن يتم اكتسابه حينها بعد الانتهاء من كامل البرنامج التدريبي على السوترا. جاء هذا المعنى للقب "غيشي" لاحقًا، في القرن السابع عشر، على يد الدالاي لاما الخامس. كلمة "غيشي" هي في الحقيقة الترجمة التبتية للكلمة السنسكريتية كاليامامِترا، وتعني الصديق الروحاني، الصديق الذي يقودنا نحو، وننخرط معه في، السلوك الإيجابي أو البنَّاء.

من الجدير بالملاحظة أن الغيشي تشِكاوا درس تقليد اللوجونغ هذا مع الغيشي شاراوا لمدة ست سنوات. الغيشي تشِكاوا لم يكن مبتدئًا؛ من الواضح أنه كان نوعًا متقدمًا من المتدربين. يشير هذا بوضوح لكَم الجهد الضروري حقًا لتدريب مواقفنا الداخلية، لنخلص أنفسنا من الأنانية. إيثار الذات، وما شابه. إنه سعي طويل الأمد يتطلب التدرب مرارًا وتكرارًا.

نقل الغيشي تشِكاوا سلسلة تعاليم اللوجونغ للمعلم لادينغبا، الذي نقلها بعد ذلك إلى توغمي زانغبو، مؤلف نص "التدريبات السبعة والثلاثون للبوديساتفات"، والذي يتوافق تمامًا مع تعاليم اللوجونغ. كتب توغمي زانغبو أيضًا شرحًا مفصلًا لنص الغيشي تشِكاوا "النقاط السبع لتدريب الذهن" ونص شانتيدِفا "الانخراط في سلوك البوديساتفات". واستمرت من عنده سلسلة نقل تعاليم اللوجونغ.

من هذه اللمحة التاريخية، دعونا نبدأ مناقشتنا لنص لانغري تانغبا، "الأبيات الثمانية لتدريب الذهن".

النص والشرح

(١) ليتني أُؤثِر دائمًا جميع الكائنات المحدودة، معتبرًا إياها، من أجل تحقيق الهدف السامي، الأكثر سموًا من جوهرة تحقيق الأمنيات.

يمكن للجوهرة المُحققة للأمنيات أن تمنحنا كل الأشياء الدنيوية -الأموال، الممتلكات، الشهرة وما شابه؛ لكن، لا يمكنها منحنا الاستنارة، الهدف الأكثر سموًا. النقطة هنا بهذا البيت هي أن الكائنات المحدودة، أو الكائنات الواعية، هي فقط التي يمكن أن تقودنا للاستنارة.

"الكائنات الواعية" هي تلك ذات الأذهان والأجساد المحدودة من حيث قدرتها على نفع الجميع. عندها، كيف يمكنها أن تمنحنا الاستنارة؟ إنه عبر التدرب معها. بعبارة أخرى، على أساس من البوديتشيتا الهادفة لنفعها، ننمي الكرم والمواقف الداخلية الأخرى التي ستحملنا بعيدًا. تشتمل الالتزام الأخلاقي أثناء التفاعل معها، الصبر على صعوبات التعامل معها، المثابرة في ألا نيأس أبدًا من العمل لأجل صالحها، التركيز على الإبقاء على تثبيت أذهاننا بينما نعمل معها، والوعي التمييزي بالطريقة التي توجد بها. إنه عبر كل أشكال العمل مع الآخرين نكون قادرين حقًا على تحقيق أي تحققات روحانية.

لهذا، من المهم للغاية إيثار جميع الكائنات المحدودة -إيثارها أكثر من أي أشياء دنيوية. في البيت الأول، قدَّمَ لانغري تانغبا كلمة "إيثار"، الكلمة التي سنراها عادة في تعبيري "إيثار الذات" و"إيثار الآخرين".

هذا الفهم لأهمية الآخرين يمنحنا حقًا الكثير لنفكر فيه، وبالطبع كل بيت من تلك الأبيات يمكنه أن يكون موضوعًا عميقًا للتأمل. من المهم للغاية أن نتفحص مواقفنا الداخلية في سياق ما الذي نُثمِّنه حقًا. ما الذي نعتقد أنه الشيء الأثمن؟ هل نفكر في سياق المال، الممتلكات، المكانة الاجتماعية؟ أم، هل نفكر في سياق البشر، ليس فقط البشر، ولكن كل الكائنات بما في ذلك البعوض وكل الكائنات الأخرى المحدودة -كل الكائنات ذات الأذهان المحدودة؟ ما الأهمية التي للآخرين بحياتنا؟ ما الدور الذي يلعبونه؟ ما هو موقفنا الداخلي عندما نقابل شخصًا نعرفه أو شخصًا جديدًا؟

لننظر لمثال قداسة الدالاي لاما. بينما يسافر حول العالم ويقابل أشخاصًا مختلفين -رجال الشرطة القائمين على فعالياته أو أي أشخاص من الجمهور- كلما نظر إلى أحدهم، تمامًا كما لو أنه رأى كنزًا. يبتهج ويكون سعيدًا بالكامل لمقابلة كائنًا آخرًا.

هذا هو نوع المواقف الداخلية التي نحاول تنميتها عندما نقابل أحدهم، ونحاول أيضًا أن ننقي أذهاننا من المواقف الداخلية السلبية مثل، "اللعنة، لا أرغب في أن يزعجني أحد"، أو "دعوني وحدي"، أو "من الذي يرغب في أن يورِّط نفسه في هذا؟" عادة عندما نرى المزيد والمزيد من الأشخاص، نشعر فقط بانعدام الرغبة. نحتاج للتغلب على هذا الميل وننمي الموقف الداخلي الخاص برؤية كم أن الآخرين كائنات ثمينة فعلاً. إنه عبر التعامل معهم ومحاولة أن نكون ذوي فائدة لهم نكون قادرين على تحقيق الاستنارة.

مع ذلك، ليس الأمر أننا فقط نتعلم الخصال الجيدة من الآخرين، كما لو كانوا يدرسونا الرياضيات. الشخص الآخر الذي يدرِّسنا الرياضيات عليه أن يعرفها؛ بينما، هنا، الشخص الذي يعلمنا الصبر ليس عليه أن يعرف عنه أي شيء على الإطلاق. بالعكس؛ نحن ننمي الصبر عبر التفاعل معهم، لأنهم عادة يتصرفون بطريقة صعبة. إنه عبر التدرب على الصبر مع الشخص الآخر، موجهًا نحو الشخص الآخر، ننمي نحن الخصلة الإيجابية للصبر.

بالطبع، شخص آخر صبور جدًا أو لديه قدر هائل من المثابرة وما شابه يمكنه أن يُلهمنا؛ لكن، هذا ليس ما نتحدث عنه تحديدًا هنا في هذا السياق. لا يمكننا تنمية خصال مثل الصبر بسهولة وحدنا. حتى إذا قرأنا عن الصبر في الكتب، نحن نتعلمه من خلال شخص آخر، الشخص الذي كتب الكتاب. حتى إذا كنا براتياكابوذات، وننمي الصبر عبر غرائزنا، فمن أين حصلنا على تلك الغرائز؟ جاءت من حيواتنا السابقة، عندما عملنا سابقًا مع الآخرين.

قد نتساءل عن عهد التانترا الخاص بعدم حب الأشخاص المؤذية -هل يناقض هذا نصيحة إيثار كل الآخرين؟ مع ذلك، ليس هناك تناقض لأن العهد لا يعني أننا لا يجب أن نحب مثل هذا الشخص. الحب، في النهاية، هو الأمنية للآخرين أن يكونوا سعداء وأن يحظوا بأسباب السعادة. يشير هذا العهد إلى عدم مصادقة الأشخاص السلبيين وقضاء كل وقتنا معهم. هو أيضًا بعدم الانخراط في علاقة حميمة مع الأشخاص الأغبياء، وهو الأمر الذي ينصح به أيضًا شانتيدِفا. هذا لا يعني، مع ذلك، أننا لا نحقق الاستنارة عبر تنمية الصبر تجاههم. بدلًا من هذا، يمكننا تنمية الصبر مع مثل تلك الكائنات من مسافة، خاصة عندما نكون ضِعافًا ويمكننا أن نتأثر بهم سلبًا أو يمكننا بسهولة فقدان أعصابنا ونغضب منهم.

علاوة على هذا، عندما نتحدث عن الخلو،التأمل فقط على خلو العمود أو الإناء، الأمثلة المستخدمة كثيرًا في نصوص شرح الخلو، لن يأخذ بنا بعيدًا. ما هو المحل الأفضل لنثبت أذهاننا عليه أثناء تأمل الخلو؟ كما يقول شانتيدِفا، وجِّهه نحو أجساد الآخرين، هؤلاء مَن قد ننجذب نحوهم ونحو المشاعر المزعجة مثل الرغبة الجارفة التي قد تكون لدينا تجاه هؤلاء الأشخاص. نحن ليست لدينا رغبة جارفة نحو العمود! مرة أخرى، في هذا الشأن، الكائنات المحدودة أثمن.

بالإضافة لهذا، كيف ننمي البوديتشيتا، أمنية نفع جميع الكائنات والوصول للاستنارة حتى يمكننا نفعهم؟ من الواضح أن الوصول للاستنارة يعتمد على الآخرين، تنمية هذا الموقف الداخلي تجاههم. أولًا، نرغب في نفع كل الكائنات. ثم، نرغب في الوصول للاستنارة لأجل أن نكون قادرين على نفعهم بأكمل وجه. وبالتالي نحتاج لأن نرتب الأمر بطريقة صحيحة. إنه نتيجة للرغبة في نفع جميع الكائنات نحصل على الطاقة، الدافع، القوة، وبالعديد من الطرق، الإلهام، لنكون قادرين على العمل حقًا عبر كل الصعوبات والوصول للاستنارة.

لهذا السبب يقول شانتيدِفا في الفصل السادس الخاص بالصبر:

(١١٢) من ثم، فقد تحدَّث المتدرب الحكيم بأن مجال الكائنات المحدودة مساويًا لمجال المُظفر؛ (لأنه،) جعلهم سعداء، ومن خلاله ذهب الكثيرون للشاطئ المتميز البعيد.
(١١٣) عند اكتساب دارما البوذا (التحققات) فهي نتاج (كُلٍ من) الكائنات المحدودة والمظفر بالتساوي، فأي نظامٍ هذا الذي يُظْهَرُ فيه الاحترام للكائنات المحدودة بشكل غير مماثل للمُظفر؟

بعبارة أخرى، كيف نحقق الاستنارة؟ إنه نتيجة الإلهام من الكائنات المحدودة، وليس فقط بوذا. وإنه أيضًا ليست فقط نتيجة طيبة بوذا، لكن أيضًا نتيجة لطيبة الكائنات المحدودة يمكننا التدرب. يقول شانتيدِفا أن الاحترام الذي نُبديه لكليهما يجب أن يكون متساويًا.

ويستكمل شانتيدِفا في الفصل الخامس:

(٨٠) عندما سألمح بعيني الكائنات المحدودة، سأفكر في أنه "بالاعتماد عليها، سأحقق الاستنارة،" وأنظر لها بطريقة مخلصة ومُحبه.

يظهر هذا كيف أن تلك الأبيات الثمانية فعلاً تُبرز بعض النقاط الأساسية في نص الانخراط بسلوك البودساتفات.

تأمل مفيد

قد يكون من المفيد أن نتأمل لعدة دقائق على مواقفنا الداخلية تجاه الكائنات الأخرى. كيف ننظر لها حقًا؟ هل يمكن النظر لها بالموقف الداخلي الخاص بالبوديتشيتا؟ بعد كل شيء، هذا تدريب للمواقف الداخلية. يقول شانتيدِفا، "بالاعتماد على تلك الكائنات سأحقق الاستنارة". هل يمكن النظر لها بهذه الطريقة ونشعر بالإلهام من هذا؟ بالتأكيد هذا صعب جدًا.

مثال مُلهم يأتينا من أتيشا. بينما كان مسافرًا للتبت، متى ما رأى حيوانًا أو أي كائن، كان مشهورًا بمخاطبته دائمًا لهذه الكائنات بلقب "أمي".

لتأملنا، دعونا نتبنى أداة التدرب التي نقوم بها في تدريب الحساسية الذي قمت بتطويره. ننظر إلى كل شخص حولنا في الغرفة بالموقف الداخلي، "بالاعتماد عليك، يمكنني تحقيق الاستنارة. بسبب هذا، أنت أثمن لدي من مليون يورو". هذا ما يطلبه منا هذا البيت -وهذا ليس سهلًا على الإطلاق، خاصة أن نشعر بهذا بشكل مُخلص. لكن نحاول. إذا تمكننا من رؤية الآخرين بهذه الطريقة، فسيكون هذا تغيير مذهل في المواقف الداخلية. كما قلت، قداسة الدالاي لاما مثال جيد جدًا. كلما قابل أحدهم، يمتلئ بالكامل بالهناء والبهجة، كما لو أنه وقع على كنز.

من الواضح إنه في البداية لن يمكننا تنمية هذا النوع من المواقف الداخلية تجاه كل من سنقابلهم. لكن، إذا تمكننا من تنميته، على الأقل، تجاه البعض، فهذه بداية جيدة. هذا حقًا ذو صلة بموقفنا الداخلي تجاه الآخرين وكيف ننظر لهم. لذا، رجاءً، حاولوا التأمل عبر النظر لبعضكم البعض.

[تأمل]

يمكننا أن نبدأ بتبني هذا الموقف الداخلي الخاص بالبوديتشيتا تجاه الأشخاص الذين نعرفهم ونقابلهم في حياتنا اليومية. مع كُلٍ منهم، قد نحتاج لأن نعمل على تنقية أنفسنا من المواقف الداخلية السلبية المختلفة وننمي خصالًا إيجابية مختلفة -الصبر مع أحدهم، الحب تجاه آخر، عدم الغضب تجاه هذا، نحاول إلهام ذاك، وما شابه. التدرب بهذه الطريقة مع كل شخص هو في الحقيقة طريقة لتحقيق الاستنارة. إنه عبر الاستجابة لاحتياجاتهم والطريقة التي هم عليها نطور أنفسنا أكثر. مع الوقت، ننمي تلك الخصال الإيجابية ونتخلص من النقائص مثل التفكير، "أنا غير مهتم بك". عندها، يمكننا أن نمد نطاق هذا نحو هؤلاء الذين نراهم في قطار الأنفاق أو أي شخص آخر نراه. عبر التدرب بهذه الطريقة، نبدأ حقًا في الشعور بقيمة الآخرين، خاصة هؤلاء من نكون حقًا قادرين على مساعدتهم.

الأسئلة

لربما إذا لم تكن مهتمًا بالرفاهية أو المال، قد تنجح في اختبار المليون يورو، مع البعض على الأقل. لكن ماذا عن الرغبة في التقدير، التشجيع، أو السعي نحو هذا النوع من "الكسب" لأجل نفسك؟

يذكر لانغري تانغبا هذه النقطة في البيت الأخير: هل نقوم بهذا من أجل تَلَقي الشكر؟ ماذا عن هؤلاء من نساعدهم ثم يقومون بإيذائنا في المقابل؟ من المهم أن نتذكر أننا مبتدئين ونحاول أفضل ما عندنا لكي نؤثر الآخرين، أن ندرك كم هم ثمينين ومهمين. كما قلت، تدرب الغيشي تشِكاوا لست سنوات قبل أن يبدأ في كتابة شيئًا عن هذا الموضوع، لذا لا يمكن أن نتوقع أننا سننمي المساواة تجاه الجميع فورًا. إذا، مع ذلك، تمكنا من تنمية هذا تجاه البعض، فهذه بداية جيدة.

هل نجعل هذا مُحددًا بقدر الإمكان؟

وجدت دائمًا أنه إذا عملنا مع كائنات محددة، نحصل على المزيد من الإلهام. التدرب بشكل عام، مفكرين في كل كائنات الناركا أو البريتا، هو لأغلبنا مبهم للغاية. في غاية التعميم والغموض.

هل يمكننا أيضًا التفكير، أنه من خلال التواصل مع شخص ما، أننا نحب أن ننمي التركيز المُثبت بنقطة واحدة، وبناءً على هذا، نحقق الاستنارة؟

عندما نكون مع شخص ما، يمكن أن نفكر. "أنا مفتقد للتركيز وذهني مشتت؛ مع ذلك، عبر التدرب مع هذا الشخص، عبر محاولة أن استمع حقًا له ومساعدته، يمكنني تنمية التركيز، ورؤية قيمة هذا التدرب وقيمة هذا الشخص". ثم، سنُلهَم كي نستمع له ونُحَسِّن تركيزنا. نُدرك أن الشخص الآخر كائن بشري ولديه مشاعر وما شابه، مثلنا. هو أيضًا يرغب في أن يحمله الآخرون على محمل الجد وينتبهون إليه، كما نرغب نحن في هذا. هذا النوع من الموقف الداخلي يُلهمنا كي ننمي التركيز، بدلًا من مجرد الجلوس في الغرفة، ننظر للحائط أو متأملين بأعين مغلقة.

ماذا عن فكرة، "كم هو ثمين...؟"

هذا ما يقوله النص، "الأكثر سموًا من جوهرة تحقيق الأمنيات". هذا يعني، عندما نقابل شخصًا ما، فهذه فرصة مثالية لنكون قادرين على التدرب واكتساب الإلهام: "ليتني أكون قادرًا على مساعدة هذا الشخص؛ ليتني أكون قادرًا على مساعدة هذا الشخص السِّكير بالشارع"، حتى إذا لم نكن نعرف كيف نقوم بهذا الآن.

إذا رأينا سِكِّيرًا بالشارع وفكرنا، "يمكنني تنمية الصبر مع هذا الشخص، كم هذا ثمين"، أليس هذا دافعًا أنانيًا أننا نقوم بهذا من أجل أنفسنا؟

إذا رغبنا في تنمية الصبر مع هذا الشخص حتى نحصل على عشر نقاط إضافية في "تجميع الاستحقاقات" أو ليعتبرنا الجميع أشخاصًا جيدين، عندها بالتأكيد هذا دافع أناني. نحن نرغب بإخلاص في أن نكون قادرين على مساعدة هذا الشخص من أجل صالحه فقط. نرغب في أن نكون قادرين على مساعدة ليس فقط هذا الشخص؛ نرغب في أن نكون قادرين على مساعدة كل الكائنات. من أجل أن نساعد جميع الكائنات، نحتاج لأن ننمي الشفقة والصبر، ونية الانخراط في مواقفهم القذرة. "مثل البجعة التي تغطس ببركة اللوتس"، كما يقول شانتيدِفا، نحن عازمون على القفز في المواقف القذرة. هذا الشخص ثمين لأننا نفكر، "هناك شخص يعاني الكثير، وأتمنى أنه يمكنني حقًا مساعدته". عبر الرغبة الحقيقية في تنمية الشفقة والبوديتشيتا، نكتشف أنه علينا أولًا أن ننمي أنفسنا من أجل أن نكون قادرين حقًا على مساعدة الآخرين.

من هذا النوع من الأفكار، أتخيل أنه سينتج نوعًا معينًا من الأفعال.

نعم، بالتأكيد ستنتج أفعالًا عن هذا. نحاول أن نساعد بالفعل قدر الإمكان، في أي مستوى نحن فيه. ما الأفعال التي ستنتج عن هذا؟ هل سنصبح أخصائيين اجتماعيين خارقين نجوب شوارع برلين، نعمل مع هؤلاء الذين لديهم مشاكل مع المخدرات والكحول، وما شابه؟ ليس بالضرورة. نحن لسنا في المرحلة التي يمكننا فيها مضاعفة عدد أجسادنا لمائة مليون هيئة ونساعد الجميع في ذات اللحظة. مع ذلك، نفعل ما نقدر عليه، ولذا مع الشخص السِّكير، على الأقل لا يكون لدينا موقفًا داخليًا سلبيًا تجاهه أو تجاهها.

يمكننا رؤية هذا بقطار الأنفاق. في العديد من المدن، إذا كان هناك شخصًا سكيرًا أو ما شابه، يتصل الناس بالشرطة، يسيرون بعيدًا عنه أو ينظرون إليه بعداء. على الجانب الآخر، رأيت هنا في برلين أشخاصًا يحاولون التحدث بالفعل مع الشخص السكير، حتى إذا كان الشخص يتكلم معهم بطريقة مجنونة بالكامل، ويقومون بهذا دون أي ضيق على الإطلاق. لا يبتعدون للجانب الآخر من العربة، والتي، من خلفيتي الثقافية، سيفعل الناس هذا. هذا لا يعني، مع ذلك، أننا سنأخذ الشخص السكير معنا للمنزل وما شابه.

لربما أول شيء نبدأ به هو أن ننظر إلى الشخص ونفكر، "حسنًا، هذا الشخص ثمين وليس فاشلًا عديم القيمة". حتى إذا لم نكن جادين في هذا مائة بالمائة، فسيحركنا هذا بعيدًا عن النفور.

نعم، يمكننا رؤية الآخرين في سياق طبيعة بوذا الفطرية لديهم. هناك العديد من طرق العمل على هذا. لا نبدأ بأن نكون ماهرين في التعامل مع الأشخاص في الشارع؛ نبدأ بتغيير مواقفنا الداخلية. كل هذا هو عملية تنقية وتغيير مواقفنا الداخلية. بالطبع، إمكانية المساعدة تتوقف بالكامل على أين تكمن مواهبنا.

عندما نعتبر شخصًا أثمن من الجوهرة المحققة للأمنيات، يصعب في البداية أن يكون لدينا هذا الشعور تجاه كل شخص نراه. سنبدأ أولًا بهؤلاء مَن نحن قادرون حقًا على مساعدتهم، على سبيل المثال في عملنا. قد نعتني بشخص مريض، أو نعمل بمحل تجاري نوفر من خلاله الأشياء للآخرين، أو نصمم أشياءً جميلة لهم، أو نساعدهم على الحصول على العناية أثناء المرض أو نساعدهم على العثور على الكتب التي يحتاجونها. أيًا كان ما نقوم به بالفعل، يمكننا أن ننمي الموقف الداخلي الخاص بتقدير أن الآخرين يقومون بمنحنا فرصة تقديم مساعدة ما لهم. بهذه الطريقة نقدرهم أكثر وفي النهاية "نؤثرهم" كشيء ثمين.

لماذا هم ثمينون؟ ما الذي يجعلهم مميزون؟ لأنه عبر مساعدة كل شخص منهم، سنكون قادرين على مساعدة المزيد والمزيد من الكائنات. بناءً على ما يمكننا القيام به مع شخص واحد، المساعدة التي سنقدمها ستوسع نطاق قدرتنا وخبرتنا، بحيث نستطيع مساعدة المزيد والمزيد من الأشخاص. هذا هو ما نركز عليه؛ الأمر بالتأكيد ليس أننا سنصل لهدف الاستنارة ونشعر "بالهناء" الشديد. إنه ليس كذلك.

إذا كنا في مكانة بحياتنا تُمكننا على أن نساعد حقًا بعض الأشخاص بأي طريقة ممكنة، وفقًا لقدراتنا ومواهبنا وما شابه، عندها فهذا رائع. قدروا حقًا قيمة هذا. "كم من الرائع أن تكون لدينا فرصة مساعدة أي شخص". حتى إذا كنا نساعد بطريقة عادية جدًا، هذا يبني كمًا هائلًا من القوى الإيجابية.

Top