تدريب الذهن

الدافع

العديدون جاءوا اليوم من شتى الأماكن المختلفة، حتى من التبت، وجميعكم جئتم لغرض الدارما من أجل الاستماع للتعاليم. لذلك، فيما يتعلق بتنمية دافع البوديتشيتا وما شابه، سأقوم بالتدريس هنا في بودغايا التدريبات السبعة وثلاثون للبوديساتفا والذي تم تأليفه بواسطة توغمي-زانغبو والمسارات الثلاثة الأساسية لجوي تسونغابا. وبينما نحن في هذا المكان شديد القداسة، القوى الإيجابية والاستحقاقات التي سيتم مراكمتها هنا أقوى بكثير من أي مكان آخر. ولكن من أجل أن تكون تلك القوى الإيجابية أكثر فعالية، نحن بحاجة لأن يكون لدينا دافع وموقف داخلي شديد الاتساع والشمول. وهذا أمر ضروري ليس فقط للمستمعين، ولكن للاما أو المُعلم أيضا.

بوذا كامل الاستنارة، المُشفق، بجسده أثني وثلاثين سمة كبرى وثمانية عشر سمة صغرى وبملكة حديثه ستين من خصائص الاستنارة. وأكثر من هذا، ذهنه خالي من كل المشاعر والمواقف الداخلية المزعجة والمعيقات، بهذه الطريقة لديه إدراك مباشر غير نظري للخلو، وهو إدراكًا تلقائيًا لكل الظواهر كما هم بالفعل في الواقع. مثل هذا المُشفق، بوذا كامل الاستنارة أظهر استنارته هنا في بودغايا من ٢٥٠٠ عامًا مضى بذات نفس المكان الذي نحن به الآن.

العصر الحاضر شديد الصعوبة مع كل هذه الحروب والمجاعات والكوارث وما شابه. ومع ذلك، نتيجة للقوى الإيجابية السابق بنائها، وُلدنا في مثل هذا الزمان والمكان، وحتى في ظل هذه الظروف العصيبة، لدينا الفرص الثمينة لمقابلة التعاليم والمعلمين. لذا، وبقدر المستطاع، نحن بحاجة لمحاولة التدرُب على ما نسمعه من تعاليم.

لا يمكننا اعتبار الدارما مجرد أن نصلي لتلقي شيء ما. بل نحتاج، وبشكل شخصي، أن نضع الدارما موضع التنفيذ. أنها ليست مجرد اتخاذ توجه آمن (ملجأ) بترديد بعض الكلمات، بل تطبيق ما نقوله بسلوكنا اليومي. وبالتالي، نحتاج أن يكون لدينا اهتماما كبيرا بالتعاليم وننخرط في الدراسة والتدرُب جنبًا إلى جنب. ولكن في البداية من الضروري معرفة كيفية القيام بذلك.

الدارما شيء كلما انخرطنا به أكثر، كلما أصبحنا أكثر سعادة. هذا يحدث نتيجة لشبكة القوى الإيجابية الخاصة بنا (مراكمة الاستحقاق) من مختلف الأفعال البناءة التي نقوم بها. لهذا السبب نحن بحاجة إلى أن نكون من أتباع بوذا ليس فقط بالكلمات، ولكن بتدرُبنا. فهذا سوف يخلق المزيد من السعادة. وهكذا، بينما نحن هنا في بودغايا حيث لدينا فرصة لقاء الدارما، وخصوصا مع دارما الماهايانا، فمن الهام محاولة بناء قوى إيجابية بقدر الإمكان. الأهم من ذلك هو أن نضع دافعًا مناسبًا. إذا كان لدينا دافعًا شاسعًا وإيجابيًا جدا، فهناك الكثير من الفوائد التي سنحققها. ولكن إذا كان تدرُبنا بدون هذا الدافع، فهذا لن يكون فعالًا ولن يثمر أبدًا.

بالنسبة لللامات، أيضا، لديهم الاحتياج نفسه. يجب على اللاما ألا يقوم بتدريس الدارما بسبب التفاخر أو من أجل كسب الشهرة والاحترام، ولا بناء على الحسد، أو الرغبة في التنافس مع الآخرين. بدلًا من ذلك، يحتاج اللاما أن يكون دافعه الوحيد هو تحقيق النفع للآخرين بقدر أستطاعته، واحترام الجميع، جميع الكائنات، دون تعالي أو بازدراء لأي كائن. وعلى الجمهور أيضًا ألا يكون متعجرفا، بل عليهم الاستماع باهتمام واحترام أثناء تلقي تعاليم بوذا الثمينة. إذا تصرف كلًا من اللاما والجمهور بشكل صحيح وبعناية وفقًا لهذه الطريقة، فسيكون هذا مفيدًا للغاية وسنتمكن من بناء الكثير من القوى الإيجابية.

بغض النظر عن المشاعر والمواقف الداخلية المزعجة التي لدينا، فمن الضروري تطبيق أدوات علاجهم وألا تُثبط عزيمتنا عن هذا. وبقيامنا بذلك، ببطء شديد سنكون قادرين على حل مشاكلنا، وفي نهاية المطاف، سنتخلص منهم إلى الأبد. سنجد أنفسنا نتحسن تدريجيا كل عام. حيث أن الذهن، طبيعته غير ملوثة بهذه المشاعر والمواقف الداخلية المزعجة، فيمكننا النجاح إذا اعتزمنا تنقية أذهاننا. وحيث أن المعاناة التي نعيشها سببها أن عقولنا غير منضبطة أو مروضه، فهذا هو ما نحتاج إلى معالجته. لكن هذا كله لن يتحقق مرة واحدة.

على سبيل المثال، إذا حاولنا جعل شخصًا جامحًا وخارج نطاق السيطرة أكثر هدوءًا وثقافة، لن يمكننا النجاح إلا ببطء وبالتدريج على مدار سنوات عديدة. ذات الأمر ينطبق على أذهاننا. على الرغم من أن لدينا أخطاء، يمكننا التحسن ببطء. يمكننا أن نرى ظاهرة مماثلة مع الأطفال. في البداية، لا يعرفون أي شيء. غير متعلمين تماما. لكنهم يدرسون عبر صفوف الدراسة المختلفة في المدرسة، والصف الأول والثاني إلخ، وفي نهاية المطاف من خلال عملية تدريجية يتعلمون ويصبحون متعلمين. الأمر ذاته عندما نبني منزلا، نقوم ببناء طابق تلو الآخر. ونحن نفعل ذلك تدريجيا دون القلق حول كم من الوقت سوف يستغرق هذا، نحن فقط نتقدم بشكل مستقيم عبر المراحل المختلفة حتى نكمل المهمة. نحن بحاجة إلى تطبيق هذا الموقف الداخلي ذاته عند التعامل مع أذهاننا.

وبينما نحدد دافعنا، نحن بحاجة لمحاولة فعل ذلك بأقصى ما نستطيع، على المستوى الذي نحن فيه، وببطء سنكون قادرين على تنمية أذهاننا عبر مراحل كما هو موضح في اللام-ريم أو "المسار المتدرج." معظمكم يعرف عن هذا الأمر، لكن لمن هم جدد بيننا سأشرح لهم قليلًا عن بعض النقاط الرئيسية بالمسار المتدرج.

ترويض الذهن

التدرُب على الدارما ليس ببساطة التدرب على تغيير الملابس، أو المكانة الاجتماعية أو الثروة التي لدينا. لكن بدلًا من ذلك يعني التدرُب على الدارما أن نغير مواقفنا الداخلية وأن نروض أذاهننا. بغض النظر عمن نكون – حتى أنا، الدالاي لاما – لا يمكن اعتباري متبعًا للدارما إلا إذا كان ذهني مُروضًا. ولا يمكننا أبدًا أن نقول أن شخصًا ما لديه مثل هذا الذهن ببساطة بسبب أسمه أو الملابس التي يرتديها؛ ولكن فقط بسبب الحالة الذهنية والشعورية الفعلية لديه. لذا، فالأكثر حسمًا وأهمية هو أن نروض أذاهننا.

جميعكم هنا بحاجة لتفحص أنفسكم. كل منَّا يريد السعادة ولا أحد يرغب في المعاناة. ليس هناك منَّا من، إذا كان لديه صداع، ولا يرغب في التخلص منه. أليس كذلك؟ وهذا ينطبق على كل من الألم الجسدي والذهني. لكن هناك العديد من المراحل المتضمنة في عملية القضاء على المعاناة غير المرغوب بها والحصول على السعادة المنشودة. فإنه ليس شيء يحدث مرة واحدة. حتى عند محاولة مساعدة أو ترويض حيوان ما وجعله يشعر ببعض السعادة، علينا أن نفعل ذلك عبر المراحل المناسبة لهذا الوحش. على سبيل المثال، أولًا نحاول إطعامه، نمتنع عن إخافته، والإساءة إليه وما شابه. والمثل ينطبق علينا، وعلينا أن نساعد أنفسنا على مراحل.

في البداية، علينا التفكير في نفع أنفسنا لهذا العام، أو للعام المقبل. وفي النهاية نقوم بمد نطاق تفكرينا هذا للعشرين عامًا المقبلين، ثم ربما نحاول الحصول على إعادة ميلاد بشرية جديدة بحياتنا التالية، الأمل بأن نحصل على السعادة وألا نعاني بشكل طويل الأمد. نحن نتقدم عبر هذه المراحل. لذا، بما أننا بشر الآن بهذه الحياة، فمن المهم جدًا أن نفكر في المستقبل وعدم القيام فقط بما هو سطحي ومؤقت، ولكن أن نحاول تحقيق السعادة المطلقة.

في سعينا المتواصل المُعتاد للسعادة، نسعى للحصول على الغذاء والكساء والمأوى وما شابه من أجل أجسادنا. ولكن سبب أن كوننا بشرًا ليس هذا فقط. حتى لو كنا أغنياء، نجد أن الأثرياء لديهم الكثير من المعاناة الذهنية. يمكننا أن نرى هذا بوضوح جدًا في الغرب. هناك الكثيرين ممن لديهم الكثير من المال وأسباب الراحة الجسدية، ولكن لديهم أيضا العديد من المشاكل النفسية مثل الاكتئاب، وأذهان مضطربة ومختلف الحالات البائسة. في الحقيقة، نجد العديدين منهم يتعاطون المخدرات والأدوية لمحاولة تحسين حالتهم تلك. فعلى الرغم من أمتلاكهم لوسائل الراحة المادية، فهم يرغبون في السعادة الذهنية قبل كل شيء بالإضافة لسعادتهم المادية، والثراء وحده لن يجب كليهما. حتى وإن كنَّا في صحة جيدة وأقوياء، إذا كان ذهننا غير سعيد فهذا لن يكون كافيًا. لذا، نحتاج كلًا من السعادة الذهنية والمادية. لذلك، الذهن أكثر أهمية، بما أنه ما يحكم حياتنا. لذا، يجب أن يكون التأكيد على تحقيق سعادة الذهن.

تحقيق السعادة الذهنية

لكن ما الذي سيحقق سعادة الذهن تلك؟ إنها تتحقق عبر مسار أفكارنا. إذا لم نستخدم عقولنا وفكرنا، فلن نستطيع تحقيق تلك السعادة لأنفسنا. الأمر يعمل في الاتجاهين. على سبيل المثال، بغض النظر عن ما هي المشاعر المزعجة الأقوى لدينا، سواءً الغضب، الرغبة، الكبرياء، الغيرة أو أيًا ما كانت، كلما فكرنا بها أكثر، كلما تصرفنا على أساسها، كلما عانيًا أكثر. إذا كان الغضب، على سبيل المثال، هو شعورنا المزعج الأقوى، فعندها كلما كنا أكثر غضبًا، كلما كنا أكثر تعاسة.

إذا شعرنا بالغضب والمرارة تجاه قضية التبت، على سبيل المثال، هل نحن سعداء أم تعساء؟ نحن تعساء، هذا شيء غاية في الوضوح. لذا، كمضاد لهذا، إذا فكرنا في الحب والشفقة. فهذا سيكون مضادًا لغضبنا وسيحقق لنا راحة البال. من ثم، طيبة القلب والأفكار الجيدة سيحققون لنا السعادة. وحيث إننا جميعًا نرغب في تحقيق السعادة والتخلص من المعاناة، نحتاج لأن نرى أن أساس هذا هو الذهن.

باختصار، كلما كان التعلق والكراهية أقوى، كلما كانت معاناتنا أقوى. كلما كانوا أضعف، كلما كنا أسعد. لهذا، نحتاج لأن نفكر فيما نحتاج لأزالته، ما نحتاج أن نُخلِص أذهاننا منه. إذا كنا غيورين وحسودين، على سبيل المثال، ماذا سيحدث؟ كلنا سنموت في النهاية، ولذا لن نكون أبدًا قادرين على الاحتفاظ بالشيء الذي نحسده. وحيث أننا لن نستطيع أبدًا إرضاء رغباتنا الغيورة بالكامل، فلن نكون سعداء أبدًا طالما كنا حسودين وغيورين. وبالمثل الكبرياء. لا يستطيع أحد المحافظة على ذات الحالة للأبد: لا يمكننا أن نظل شباب للأبد. أيًا ما كان الشيء الذي نشعر بالكبرياء بسببه، سنفقده في النهاية. من ثم، الكبرياء أيضًا حالة ذهنية غير سعيدة بالمرة. إذا كنا بأحد المطاعم، على سبيل المثال، وشعرنا بالحسد للوجبة التي يتناولها شخص آخر، ماذا سيحقق لنا هذا؟ فقط التعاسة؛ بالتأكيد لن يُشبع هذا معدتنا.

إذا كنَّا نفكر في أنفسنا، كتبتيين، إذا شعرنا بالغضب والحسد تجاه الصينيين، هل نحن سعداء بهذه الطريقة؟ هل هذه حالة ذهنية سعيدة؟ بالتأكيد لا. فكروا في شخص أنشطته الرئيسية في الحياة قائمة على التعلق والكراهية. مثل هذا الشخص قد يصبح قويًا جدًا، غاية في الشهرة؛ بل حتى قد يُذكر في التاريخ. لكن ما الذي حققه هذا الشخص؟ كل ما حصل عليه هو ذكر اسمه في التاريخ. هو لم يصبح سعيد ؛ فقد مات.ولم يجني شيئًا من ذكر اسمه في التاريخ لذا فإذا قضينا حياتنا في التصرف بناء على مشاعرنا المزعجة، فمهما أصبحنا أثرياء وأقوياء، فهذا لن يجلب لنا السعادة.

إذ فكرنا على سبيل المثال في موقفنا الحالي هنا في بودغايا، يمكننا أن نفهم هذا بشكل أكثر وضوحًا. حتى مع وجود الدالاي لاما هنا، فإذ أصبحنا غاضبين في مكان مقدس مثل هذا من شحاذ أو من الظروف المادية الصعبة، فهل نحن سعداء بهذه اللحظة؟ على الجانب الآخر، عندما تكون مشاعرنا المزعجة أضعف ونقوم بشيء بناء، هل نحن أكثر سعادة؟ فكروا في هذا.

حالتك الذهنية تؤثر حتى على جيرانك، أصدقائك، أطفالك. تفحص حالة الأسرة على سبيل المثال. إذا كنت غاضبًا وتعثرت بطفلك؛ ضربته، سيبكي – هذا سيجعل الجميع غير سعداء، أليس كذالك؟ لكن إذا لم تكن غاضبًا، إذا كنت هادئًا، عندها ستترك طفلك يلعب وسيكون الجميع سعداء ومسالمين. كذلك على مستوى الدولة، نجد إنه إذا كان التدرُب على عدم التعلق والتحمل منتشرًا، عندها سيتشارك الجميع في السعادة بمثل هذا المكان. هذا ينطبق على الأفراد، العائلات، الدول. كلما كانت هناك مشاعر مزعجة، كلما كان هناك تعاسة؛ في حين، كلما قلت المشاعر المزعجة، كلما زادت السعادة.

بالنسبة لي، أفكر كثيرًا في عواقب المشاعر والمواقف الداخلية المزعجة، كل الأشياء السيئة التي يجلبوها عليَّ، وأيضًا مزايا عدم وجودهم. هذا يساعدني كثيرًا على التركيز بأن يكون لديَّ مشاعر مزعجة بأقل قدر ممكن. في حياتي ثم، كمكافئة إضافية، سنجد أننا نستطيع أن نستمتع بالحياة أكثر؛ طعامنا مذاقه أفضل وكل شيء يسير بلطف. لكن إذا كانت أذهاننا مليئة بالمشاعر المزعجة، عندها، حتى إذا كنا نقوم بالتأمل أو بترديد المانترا أو ما شابه، فلن نحصل على أي سعادة من هذه الأفعال على الإطلاق. لذا، نحتاج دائمًا لأن نفكر في كم أن تلك المشاعر المزعجة مؤذية.

باختصار، إذا كان ذهننا مروضًا وخالي من المشاعر والمواقف الداخلية المزعجة، عندها نصبح غاية في السعادة. لذا، فأفضل شيء يمكن أن يحدث كنتيجة لترويض الذهن هو أن المشاعر والمواقف الداخلية المزعجة لن تظهر أبدًا. وحتى إن ظهرت، فثاني أفضل شيء ممكن عمله إذا لم يوقف ترويض أذهاننا تلك المشاعر المزعجة هو عدم التصرف انطلاقًا من تلك المشاعر.. على سبيل المثال، من الأفضل ألا نغضب على الإطلاق؛ لكن إذا غضبنا، سنجد أننا إذا روضنا أذهاننا، فلن نتصرف انطلاقًا من هذا الغضب. لن نلكم أحدهم بوجهه، على سبيل المثال، أو نسبه، أو أيًا من ردود الأفعال الفظة تلك.

وهكذا ببطء، وعبر عملية متدرجة، نجد أن مضادتنا التي نستخدمها تزداد قوة أكثر فأكثر، أذهاننا تُصبح أكثر ترويضًا وبهذه الطريقة نصبح أكثر سعادة. لهذا كمبتدئين نحتاج أن نحاول ألا نجعل مشاعرنا المزعجة من غضب، تعلق وما شابه تنشأ من البداية. ولكن حتى إذا حدث هذا، نحتاج أن نحاول ألا نتصرف انطلاقًا من تلك المشاعر. هل تفهمونني؟ إذا روضنا أذاهننا، فهذا هو التدرب على الدارما، ولكن إذا لم نقم بذلك، فهذه ليست الدارما. إذا تخلصنا بالكامل من المشاعر المزعجة، إذا حصلنا على حالة من الإيقاف الفعلي (انقطاع تام) أو السلام، فهذه في الحقيقة هي الدارما الحقيقية.

الحقائق الأربع النبيلة

هناك أربع حقائق نبيلة: المعاناة الحقيقية، أسبابها الحقيقية، الإيقاف الفعلي والمسارات الذهنية الحقيقية. فيما يتعلق بالمعاناة الحقيقية، يمكننا التفكير في أنواع مختلفة من التعاسة: الموت، المرض، الشيخوخة وما شابه. قال بوذا أنه من المهم جدًا أن نكون واعيين بالمعاناة. ما هو جذر تلك المعاناة؟ جذر هذه المعاناة هو الذهن غير المروض، وبشكل أكثر تحديدًا، المشاعر والمواقف الداخلية المزعجة. لذا فالمشاعر والمواقف الداخلية المزعجة ذُكرت على أنها السبب الحقيقي أو الأصل الحقيقي للمعاناة، مثل بواعث الكارما التي تنشأ تحت تأثير قوة تلك المشاعر المزعجة. وهكذا، فإن المشاعر المزعجة والكارما هم السبب الحقيقي في المعاناة. لهذا، حيث أننا جميعًا لا نتمنى التعاسة ونرغب في إزالتها، نحتاج لأن نرى أن السبب في تلك المعاناة أنه ليس لدينا ذهنًا مروضًا.

بما أننا نرغب في التوصل إلى الإيقاف الفعلي لهذه المعاناة والذي به لا تظهر مرة أخرى، ما نحتاج للقيام به هو أن نجعل مشاعرنا ومواقفنا الداخلية المزعجة تتوقف في "الدارماداتو" أو مجال الخلو. هذا ما يُعرف بنرفانا الإيقاف الفعلي.

حيث أن هناك الكثير من المراحل بعملية تخليص أنفسنا من المشاعر والمواقف الداخلية المزعجة، أو جعلهم يتوقفون للأبد، هذه العملية تنطوي على ما يُعرف بالمسارات الذهنية الحقيقية للآريا أو النبلاء. بشكل أكثر تحديدًا، بما أننا خلال عملية إزالة مختلف المشاعر والمواقف الداخلية المزعجة تلك، نعمل أيضًا من أجل الحصول على خصال جيدة أكثر وأكثر، الأذهان التي تزيل المشاعر المزعجة والأخطاء من جانب وتحصل على الخصال الجيدة من الجانب الآخر تُعرف بالمسارات الذهنية الحقيقية.

باختصار، هناك معاناة حقيقية، لها سبب حقيقي؛ نتمنى إيقافًا حقيقًا لها؛ للقيام بهذا، نحتاج إلى تفعيل المسارات الذهنية الحقيقية. وعندها فنتيجة لهذا هو تحقيق الإيقاف القاطع، السلام أو حالة النرفانا، "حالة تجاوز الأسى،" وهذا سيجلب لنا سعادة دائمة. هذا ما برهن عليه بوذا هنا في بودغايا من خلاله كمثال على ذلك، وقام بعدئذ بتعليم الحقاق الأربع النبيلة. أول أثنتين، المعاناة الحقيقية وأسبابها الحقيقية، وهما على الجانب المُضلِل أو غير النقي، والاثنتين الآخرتين، الإيقاف الفعلي والمسارات الذهنية الحقيقية، هما على جانب التحرُر أو الجانب النقي.

يمكننا أن نرى أن الدافع من التدرُب على الدارما ليس مثل، على سبيل المثال، عندما يستمع الطفل لتعليمات والديه وينفذ ما قيل له ببساطة لأن أبويه قالوا له هذا. الانخراط في الدارما يتطلب ألا نكون فقط مطيعين مثل الطفل المطيع. بدلًا من هذا، ننخرط في التدرُب على الدارما لأننا نرغب في إزالة معاناتنا ومن أجل هذا السبب نتبع التوجيهات التي يخبرنا بها المعلم من أجل ترويض أذهاننا. هل تفهموني؟

الثلاث جواهر السامية

هناك العديد من العوامل التي ينطوي عليها إزالة المعاناة. على سبيل المثال، هناك معاناة الجوع، البرد وما شابه، ولإزالة كلًا من تلك المعاناة، سنعتمد على أداة أو عمل مختلف. لهذا، عبر عمل المزارعين، التجار ومن شابههم، يمكننا إزالة الجوع والبرد. لمعاناة المرض، نعتمد على الأطباء والدواء. ولكن كل هذا هو فقط أدوات مساعدة مؤقتة، وليست العلاج النهائي. إذا كنا مرضى، يمكننا تناول الدواء ليجعلنا أقوياء، لكن هذا الدواء لن يستطيع التخلص من الشيخوخة والموت. باختصار، لن يمكننا الحصول على الإزالة النهائية لمعاناة الميلاد، المرض، الشيخوخة والموت، عبر الوسائل العادية، حتى إذا كانت هناك وسائل يمكن أن تجلب لنا راحة مؤقتة.

العديد من الديانات، مثل بعض الطوائف الهندوسية، المسيحية، اليهودية، الإسلام، وما شابههم، يقبلون فكرة أن الله هو خالق السعادة والمعاناة. إذا صلينا لهذا الإله، فسوف يمنحنا السعادة. ولكن ليس هذا ما فسره بوذا. قال بوذا أن معاناتنا وسعادتنا ليست بيد إله، لكنها بالكامل بأيدينا.

على عكس الديانات التي تقبل جوهرة واحدة فقط للملجأ، وهي الله، نحن نقبل ثلاث جواهر سامية. بوذا هو من أرانا مسار ما نقبله وما نرفضه. لذا، فبوذا مثل المعلم وليس إله خالق. الكارما والسلوك الخاص بنا هو ما يخلق سعادتنا ومعاناتنا. تأتي السعادة من الأفعال الإيجابية أو البناءة. لهذا، نحتاج أن نحاول أن نتصرف بهذه الطريقة بقدر الإمكان. على الجانب الآخر، بما أن التعاسة تأتي من الأفعال السلبية الهدامة، نحتاج أن نحاول أزالتهم بقدر الإمكان.

ما علمه بوذا عندها كان مسار السبب والنتيجة. مصيرنا بأيدينا، ليس بيد إله ما، وليس، فيما يتعلق بهذا الأمر، بيد بوذا. ومن ثم، فالملجأ الحقيقي أو الاتجاه الآمن هو في الدارما، والتي هي شيء نحتاج لتنميته باستمراريتنا الذهنية. بعبارة أخرى، عبر إزالة المشاعر المزعجة وما شابهها من أذهاننا، سنزيل تعاستنا وسنحقق السعادة.

بالإضافة لهذا، من أجل تنمية جوهرة الدارما باستمراريتنا الذهنية، نحتاج لمساعدين يوفرون لنا الأمثلة والمساعدة في هذه العملية. مثل هؤلاء يُعرفون بجوهرة السانغا.

باختصار، إذًا، بوذا يرينا الاتجاه الآمن لنطبقه في حياتنا؛ الدارما هي هذا التوجه الأمن؛ ومجتمع السانغا يساعد بوضع المثال. ليس هناك إلهًا واحدًا أو جوهرة للملجأ ستمنحنا السعادة وتزيل المعاناة.

البوذية قائمة على المنطق والتدرب

في اللغة الإنجليزية، كلمة "الدين" عادة ما تستخدم لترجمة المصطلح التبتي لكلمة الدارما. كلمة الدين هذه لها مدلول في نظام يتم به قبول فكرة الإله الخالق. لهذا، من الشائع أن يقال أن البوذية إلحادية، وليست فعلًا ديانة. الصينيين، يقولون عن أنفسهم أنهم ملحدين، وأن البوذيين متدينين، وأن البوذية ديانة. لكن في الحقيقة، وفقًا للتعريف السابق، نحن ملحدين أيضًا.

بالإضافة إلى ذلك، نحن لا نقبل كلمات بوذا بإيمان أعمى، لكن فقط بعد تفحصها بحرص. إذا كانت تلك الكلمات منطقية، نقبلها، وإذا لم تكن منطقية، لا نقبلها. على سبيل المثال، لدينا العديد من الإثباتات المنطقية لظاهرة مثل إعادة الميلاد وفقط بعد تفحصنا لهذا الموضوع يمكننا قبوله. إذا كان هناك أمرًا يمكن إثباته منطقيًا، عندها نقبله. لكن إذا كانت فقط قائمة على إيمان أعمى؛ فهذا لن ينجح أبدًا. لهذا، لا تقول فقط "أنا أصدق." النقطة الرئيسية هو أن تحلل الأمر باستخدام العقل والمنطق. إذا كان شيئًا غير متوافق مع المنطق والواقع، لا تقبله. علينا دائمًا أن نبني معتقداتنا على المنطق..

عندما تحدث بوذا في الماضي، أعطى تعاليم كاملة. ليس هناك حاجة لتنقيح ما قاله، الإضافة إليه أو تحسينه. إنها فقط مسألة تدربنا على ما علمه بوذا. هذا ليس معقدًا. يمكننا فهم هذا من مثال الدواء. الطبيب يتفحص كل مريض ومن ثم يصف لكلًا مريض الدواء الملائم لحالته. إذا لم ينجح الدواء، فقط المغفل يقول أن الخطأ يقع في علم الطب. الشخص الذكي سيدرك أن سبب عدم نجاح الدواء هو الطبيب، وليس بسبب علم الطب ذاته. بالمثل، الأمر مماثل في البوذية ليس هناك خطأ في التريبيتاكا أو السلال الثلاث، والتي هي نصوص تعاليم بوذا المباشرة. إذا تفحصناها، سنرى أن الارتباك ليس بالمصدر ذاته. لذا، ما نحتاج القيام به هو أن نتدرب بشكل صحيح وفقًا لما نُص عليه بهذه المصادر المختلفة. هل تفهموني؟

إعادة التأكيد على دافع الماهايانا

إذا فالتدريب الأساسي هو ترويض الذهن. لهذا، نحتاج إلى الاستماع إلى التعاليم، وأن نقوم بهذا بشكل صحيح، نحتاج الدافع الصحيح. قام بوذا بإعطاء تعاليم الهينايانا والماهايانا. النقطة الأساسية التي تضعها الماهايانا في اعتبارها هي مساعدة الآخرين. في الهينايانا، التأكيد على إنه حتى إذا لم تستطع مساعدة الآخرين، نحتاج على الأقل ألا نؤذيهم. ومن ثم، التأكيد في كليهما على كيف نساعد ونكون في نفع الآخرين. نحتاج لأن نتعلم من هذا. إذا كان بإمكاننا مساعدة الآخرين، نحتاج أن نقوم بهذا، وإذا لم يمكننا، عندها بالتأكيد سنحتاج ألا نؤذيهم أبدًا. لم يذكر بأي مكان بالتعاليم أن علينا أن نغضب من الآخرين، أليس كذلك؟

بتعاليم الماهايانا، يقال أيضًا أن علينا محاولة تجاهل أغراضنا الأنانية والعمل من أجل نفع جموع الآخرين. هذه هي الرسالة البوذية، أليس كذلك؟ ومن ثم، نحتاج أن يكون لدينا قلبًا نقيًا دافئًا طيبًا. بعد ذلك نحتاج أن نحاول أن نجعل نية البوديتشيتا كدافع لنا. نية البوديتشيتا هي أن نعمل لأجل تحقيق الاستنارة من أجل أن نكون قادرين على نفع الجميع. بمثل هذا الدافع، سنستمع الآن لتدريبات البوديساتفا السبع وثلاثين كما كُتبوا بواسطة البوديساتفا توغمي-زانغبو.

الخصائص المذهلة لمؤلف النص

عاش توغمي-زانغبو بزمن بوتون رينبوتشي، وكان هذا قبل تسونغابا بجيلين. كان لاما وتلقى أغلب تدريبه بتقليد الساكيا، منذ سن مبكرة، كان مشهورًا بكونه مهتمًا في المقام الأول بمساعدة الآخرين. كطفل، على سبيل المثال، كان يتضايق من هؤلاء الذين لا يساعدون الآخرين. في النهاية، أصبح راهبًا ودرس وأعتمد على العديد من اللامات، في الأغلب إثنين من المعلمين تحديدًا. تدرب على كلًا من السوترا والتانترا واصبح واسع العلم، ومتدرب ذو إدراك.

كان مشهورًا خاصةً بتنميته للبوديتشيتا وهو ما قام به في الغالب عبر التعاليم عن مساواة واستبدال المواقف داخلية الخاصة بالذات والآخرين. في الحقيقة، إذا حاولنا التفكير في البوديساتفا، فإن توغمي-زانغبو هو من يخطر فورًا بأذهاننا كمثال على هذا، أليس كذلك؟ كان من هذا النوع من الأشخاص العظام، حقًا كائنًا خاصًا. أينما جاء أحدهم للاستماع لتعاليمه، على سبيل المثال، يصبح الشخص غاية في الهدوء، والسكينة.

بينما كتب تلك التدريبات السبع وثلاثين من أجل نفعنا جميعًا، نحتاج أن نحاول أن نتفحص هذه التعاليم مرة بعد الأخرى. نحن نقول أننا متدربي الماهايانا، لكن إذا لم نتفحص دائمًا تدريبات الماهايانا الحقيقية، فلن ننجح في أن نكون هؤلاء المتدربون. لذا نحتاج أن نحاول تفحص أنفسنا في ضوء تلك التدريبات، وأن نرى، في الحقيقة، إذا كانت أفعالنا تتوافق معها. بين هذه التدريبات السبع وثلاثون، سنجد تعاليم للأفراد من مجالات الدوافع الثلاثة، وفقًا لما تم توضيحه بتعاليم لام-ريم المسار المتدرج.

النص

سأعطي شرحًا مبسطًا لهذا النص. لقد تلقيت سلسلة معلميه من كونو لاما رينبوتشي، تينزين-غيلتسين، والذي تلقاه سابقًا من تزوغتشين رينبوتشي في مقاطعة كام. هذه فقط مقدمة تاريخية بسيطة وهذه النسخة، في الحقيقة، جلبتها معي من لاسا.

مصدر هذه التعاليم هو نص شانتيديفا "الانخراط في سلوك البوديساتفا،" نص "حلية سوترات الماهايانا" لماتريا، ونص "الإكليل الثمين" لنغارجونا.

يقسم النص إلى ثلاث أقسام:

١. في البداية، تعزيز القوى الإيجابية،

٢. التعاليم الفعلية،

٣. الخاتمة

في المقدمة، تعزيز القوى الإيجابي تنقسم إلى قسمين:

١. التحية الأولية

٢. الوعد بالتأليف

التحية الأولية

البيت الأول يقدم أول القسمين، التحية الأولية.

الإجلال إلى لوكيشفارا أنحني دائمًا للأرض أحترامًا، عبر بواباتي الثلاث، للمُعلم السامي وللحامي أفالوكيتيشفارا الذي، يرى كل الظواهر غير آتية أو ذاهبة، أقدم جهودي منفردًا لأجل نفع الكائنات الهائمة.

الإجلال لأفالوكيتيشفارا، يستخدم هنا أسم لوكيشفارا للإشارة إليه. وأن جذر الاستنارة هو الشفقة، وبما أن أفالوكيتيشفارا هو تجسيد الشفقة، فالانحناء للأرض أحترامًا له. وأيضًا، ومن أجل وضع البذور والقدرات الطبيعية لأجل أن نكون قادرين على مصادفة ودراسة اللغة السنسكريتية في المستقبل، يستخدم المؤلف أسم لوكيتشفارا باللغة السنسكريتية. الانحناء للأرض احترامًا لأفالوكيتيشفارا الذي لا ينفصل عن المعلمين ويتم هذا الانحناء عبر البوابات الثلاثة: الجسد، الحديث والذهن. سبب القيام بمثل هذا الانحناء احترامًا هو الخصال الجيدة الموجودة في محل التبجيل، أي أفالوكيتيشفارا.

ما هي هذه الخصال الجيدة؟ جذر الماهايانا هو هدف البوديتشيتا. وهو ذهنٌ موجهٌ للاستنارة مع النية لتحقيقها من أجل التمكن من نفع جميع الكائنات المحدودة. لتحقيق تلك الأهداف، نحتاج لأن نتدرب على المواقف الداخلية الستة بعيدة المنال، الاكتمالات الستة. كنتيجة لهذا، سنكون قادرين على تحقيق الاستنارة ذات الجانبين الجسدي والذهني، وهي أجساد الهيئة والدارماكايا أو جسد الوعي العميق المشتمل على كل شيء، ذهن بوذا ذو المعرفة غير المحدودة. لتحقيق كليهما (أجساد الهيئات، الدارماكايا) نحتاج لبناء المُسببات المتوافقة مع نفس فئة النتائج التي نسعى لها، لذا نحتاج لشبكة من القوى الإيجابية لتحقيق أجساد هيئات بوذا ولشبكة الوعي العميق ( مراكمة الحكمة) لتحقيق ذهن بوذا. أساس هذا هو الحقيقتين.

لوكيتشفارا هو من يرى أن كل الظواهر ليس لها مجيء أو ذهاب. إذا تفحصنا الحقيقة المألوفة للأشياء، الأشياء في الحقيقة تأتي وتذهب. مع ذلك، إذا تفحصنا الحقيقة الأعمق لهذه الأشياء، قدومهم وذهابهم ليس لهم وجود مُثبت فعليًا، أو لها وجود أصيل في ذلك الذهاب والمجيء. على سبيل المثال، هناك قانون الأسباب و النتائج. حيث أن ليس للأسباب وجودًا أصيلًا – هم خالون من الوجود الأصيل – بالمثل سيفتقد أثرهم أيضًا لمثل هذه الطريقة المستحيلة للوجود. كلًا من أسبابهم وأثاراهم مفتقدين للوجود الأصيل؛ هم ينشئون اعتمادًا على بعضهم البعض. بعبارة أخرى، طبيعة النشوء الاعتمادي لجميع الظواهر المثبت كونهم غير موجودين بشكل أصيل.

كما قال نغارجونا، ليس للأشياء مجيء،، بقاء فعلي. فمن ثم، مقولة " رؤية كل الظواهر ليس لها مجيء أو ذهاب" يشير إلى الخلو وحقيقة أن كل من ننحني للأرض له احترامًا لديه إدراك غير نظري مباشر للخلو. لأن كل شيء ينشأ بشكل اعتمادي، كل شيء خالي من الوجود الأصيل. ولأن كل شيء يفتقر للوجود الأصيل، كل شيء ينشأ بشكل اعتمادي عبر عملية الأسباب والنتائج.

من المشاعر المزعجة كسبب، تنشأ المعاناة كنتيجة، ومن الأفعال الإيجابية كسبب، تنشأ السعادة كنتيجة. وحيث أن قدوم التعاسة ينشأ بشكل أعتمادي من المشاعر المزعجة والأفعال الهدامة، فمن ننحني له أحترامًا يرى أن هذا هو الحال مع جميع الكائنات، لهذا فشفقته موجهة فقط بغرض مساعدتهم على رؤية الطريق لإزالة معاناتهم، ليجعلها تختفي. من ثم، كلًا من الحكمة والأداة جنبًا إلى جنب متضمنَين هنا حيث أننا نحتاجهما سويًا، دون الاستغناء عن أحدهم.

من هذا البيت المفيد يمكننا رؤية هاذين الجانبين. لوكيشفارا يرى أن كل شيء خالي من الوجود الأصيل، ولأن كل شيء خالي، فهو يرى أن كل الظواهر تنشأ من أسباب ونتائج.، يرى على وجه الخصوص أن معاناة جميع الكائنات تنشأ أو تأتي من مشاعرهم ومواقفهم المزعجة، ولهذا يهدف بشفقة إلى إزالة هذه المعاناة أو جعلها تختفي. ومن ثم، كلا الجانبين (الحكمة والأداة) يبجلون هنا عبر توجيه التبجيل إلى لوكيتشفارا. لإنه من يرى كل شيء خالٍ. يرى أسباب ونتائج كل شيء. ولذا، لديه شفقة تجاه الجميع ليأخذهم خارج معاناتهم. هل تفهموني؟

الوعد بالتأليف

البيت التالي هو الوعد بتأليف ذلك النص.

البوذات كاملي الاستنارة، مصدر النفع والسعادة، جاء من (بينهم) منفذي الدارما المقدسة. فضلًا عن ذلك، وحيث أن هذا يعتمد على (أنهم) يعرفون ما هي تدريبات الدارما، سأشرح تدريبات البوديساتفا.

في البداية قام بوذا بتنمية هدف البوديشيتا ليحقق للاستنارة من أجل نفع الجميع. ثم، بمجرد تحقيقه للاستنارة، هدفه الوحيد كان نفع الجميع. روض ذهنه، مدركًا أنه بحاجة لإزالة جميع مشاعرة ومواقفه الداخلية المزعجة حتى يستطيع القيام بذلك، وهذا ما يحتاج الجميع القيام به حتى يستطيعون الحصول على السعادة الحقيقية. وهكذا، علَّم بوذا الأدوات المختلفة للقيام بهذا وعلينا بأنفسنا التدرُب على تلك الأدوات مثلما قام هو بذلك. إذا تدربنا كما علَّم، نحن أيضًا سنكون قادرين على الحصول على السعادة. لهذا تشير الأبيات إلى البوذات كمصدر للنفع والسعادة.

بوذا ذاته لم يكن مستنيرًا من البداية. أعتمد على معلميه، التدرب على تعاليمهم، وترويض ذهنه. عبر عملية إزالة كل مشاعره ومواقفه الداخلية المزعجة، فأصبح مستنيرًا. لذا، وصل لتحققه عبر التدرب وتطبيق الدارما المقدسة حقًا على أرض الواقع.

نحتاج أن نحاول فهم كيف أن لدينا كل من الأجساد والأذهان. عندما يرى وعي عينيك شيئًا، على سبيل المثال، نحن لا نقول أن وعي أعينينا يرى هذا الشيء، لكن نقول أنا أرى. إذا مرض جسدنا، نقول "أنا" مريض. يترتب على طريقة التعبير هذه أنه إما أنني وعي الذهن أو أنني الجسد. لكن، أجسادنا تكونت أولًا برحم أمهاتنا وتنتهي تلك الأجساد عندما نتحلل عند موتنا. لذا "أنا" لا يمكن أن تكون مجرد الجسد. عندها، لربما هي حالة "أني الذهن" الذي يعتمد على هذا الجسد. على أية حال هذه "الأنا" ليس لها هيئة، شكل، أو لون. إلا إننا عندما نرى شخصًا قادمًا عن بعد، بناء على ما نراه، نقول "أه، أنا أرى صديقي" ونصبح غاية في السعادة. لكن هذا الشخص، إذا تفحصنا الأمر بدقة، ليس فقط جسده. عندما نذهب لرؤية الطبيب، على سبيل المثال، يقول الطبيب، "هل جسدك بخير؟" لكن من الواضح بالطبع أننا لسنا فقط أجسادنا. بمستشفى شهير بالولايات المتحدة، نرى أطباء يصفون التأمل لمرضاهم من أجل تحسين صحتهم. من ثم، من الواضح أنه بالنسبة لهم يجب أن يكون هناك علاقة بين الجسد والذهن حتى يصفون مثل هذا النوع من العلاج غير الجسدي.

لكن ماذا عن كون هذه "الأنا" عبارة عن الذهن فقط؟ دعونا ننظر إلى طبيعة الذهن. عندما نعرف شيئًا، أو لدينا معرفة واضحة أو وعي بشيء ما، نقول، "أنا أعرف هذا" لكن من الصعب جدًا التعريف بدقة لماهية الذهن. تعريفه بأنه "ليس إلا الوضوح والوعي". إنه ليس شيئًا ماديًا له لون أو شكل. إذا فكرنا فيه، فإنه مثل فضاء واضح، فضاء خالي تمامًا والذي تنقطع به كل المظاهر والذي به ينشأ أو يبزغ الوعي بأي شيء والذي ليس إلا وضوحًا ووعيًا داخل هذه المساحة الصافية.‎‎

إذًا، فالذهن الذي ينشأ تلقائيًا مع النَّفَسْ، القطرات وما شابه من مكونات الجسد المتناهية الصغر بأول لحظة للإدراك، فإن طبيعته ليست إلا الوضوح والوعي. لنشوء مثل تلك الظاهرة، تحتاج، كسبب فوري لها، شيئًا موجودًا في ذات الطبيعة أو من نفس فئتها. لذا، من الضروري وجود لحظة سابقة مما ليس إلا الوضوح والوعي لأجل أن يصبح سببًا لأول لحظة مما ليس إلا الوضوح والوعي بهذا الإدراك الحالي. باستخدام مثل هذا المتتالية المنطقية يمكننا تأسيس أو إثبات وجود الحيوات السابقة. وإذا وجدت الحيوات السابقة، سيتبعها حيوات مستقبلية أيضًا.

ما هو ليس إلا الوضوح والوعي هذا الذي لدينا كان مستمرًا وسيظل مستمرًا لحيوات مستقبلية، من الهام جدًا إزالة العوائق أو الحُجب من عليه التي تتسبَّب لنا في المعاناة والمشاعر المزعجة المتعددة وبإزالتهم يكون بمقدورنا الوصول لأساس طبيعة الوعي، والتي هي ليست إلا الوضوح والوعي بدون أي معيقات. هذا ما سيصبح ذهن بوذا ذو المعرفة غير المحدودة، كائن كامل الاستنارة. لذا، حيث أن لدينا بذهننا ذات الأساس الذي لدى الكائن المستنير – ذات أساس الذهن كلي المعرفة – فبالتأكيد يمكننا الحصول بأنفسنا على هذا الذهن كلي المعرفة. بوذا لم يكن مستنيرًا من البداية؛ أصبح مستنيرًا بالاعتماد على الأسباب المختلفة. لقد خلص نفسه ( نبذ) ماهو من الضروري التخلص منه وأكتسب ما هو من الضروري أكتسابه. لذا، فإذا قمنا بالمثل، يمكننا تحقيق المثل.

من ثم، يقول النص، "البوذات كاملي الاستنارة، مصدر النفع والسعادة، جاء من بينهم منفذي الدارما المقدسة" كيف يمكننا القيام بهذا؟ يقول النص، "بالاعتماد على معرفة ما هي التدريبات". لذا، ليس كافيًا فقط أن نعرف عن الدارما. من الضروري أن نضعها موضع التدرُب والتطبيق على أرض الواقع فور معرفتنا بتدريبات الدارما.

سأتوقف هنا اليوم. هل فهمتم كل شيء؟ نحتاج أن نتدرب بقدر إمكاننا. ما نحتاج إليه كي نتدرب التخلي، البوديتشيتا، والخلو. نحتاج لأن نتفحص أنفسنا بدقة شديدة وبأمانة، نرى ماهية مواقفنا الذهنية، ماهية ميولنا ورغباتنا، ومن ثم ندرب أنفسنا على الطريق الذي يلائمنا.

Top