تنمية الاهتمام بالانتفاع بالحيوات المستقبلية

لغات اخرى

كُتب هذا النص بواسطة أتيشا، العلَّامة الهندي العظيم الذي عاش منذ حوالي ألف سنة مضت. دَرَسَ في أندونيسيا، جزيرة سومطرة؛ قام برحلة طويلة إلى هناك، رحلة غاية في الصعوبة. كانت البوذية قد انتشرت هناك منذ فترة طويلة وذهب هناك خصيصًا للحصول على التعاليم الخاصة بالشفقة والبوديتشيتا وتلك النوعية من الموضوعات من العلَّامة الشهير الذي عاش هناك. لم تكن تلك التعاليم منتشرة بقوة في الهند بهذا الوقت، لذا قام بإعادة تلك التعاليم مرة أخرى إلى لهند.

عاش أتيشا بأحد الأديرة العظيمة في شمال الهند، فيكراماشيلا. وتم دعوته من قِبل ملك غرب التبت ليأتي إلى التبت لوجود الكثير من الارتباك بشأن البوذية بهذا الوقت وكانوا يريدون منه أن يُعيد إحياء تلك التعاليم. ولدينا هنا عدة روايات تاريخية عن هذا الحدث: هناك ما يُطلق عليه الرواية الورعة، الرواية المقدسة؛ ثم هناك الرواية التاريخية لما حدث بالفعل، وهي:

كان هناك اضطهادًا للبوذية في التبت خلال المائة وخمسين عامًا السابقة، في حقيقتها كانت حركة مضادة للأديرة والسياسات القهرية للمَلِك السابق. كان أحدد الملوك السابقين قد حدد لعائلات وقرى بعينها أديرة يقومون بدعمها، وبالطبع كان هذا الدعم يُقطع من الأموال التي كانت تصل للدولة، وهنا كانت المشكلة. كان هذا الملك متطرفًا دينيًا بعض الشيء، ولذا أغتاله أخاه وأستولي على العرش -كان هذا الملك سيئ السمعة المُسمى لونغدارما.

قام لونغدارما بإغلاق الأديرة، لكنه لم يدمرها ولم يقتل أحد من الرهبان أو قام بأي شيء من هذا القبيل، لذا عندما جاء أتيشا كانت المكتبات كما هي لم تُمَّس. لكن ما حدث هو أنه لم تكن هناك مراكز تعليمية، ولذا مع مرور الأعوام، وبعد تفتت الإمبراطورية التبتية والتحلل الذي حدث بعدها، لم يكن يعرف الناس أي شيء عن التعاليم. وهذا كان الموقف. كان سائدًا حينها أفكارًا في منتهى الغرابة عن ماهية التدرب البوذي، آخذين العديد من الأجزاء من التعاليم بشكل حرفي، خاصة بتعاليم التانترا، وهذا لم يكن أبدًا المعنى الحرفي هو المقصود بتلك التعاليم.

لذا، فبهذا الوقت قرر ملك غرب التبت، يٰشى وو، أن يدعوا المترجمين وأن يرسل المتدربين للهند ليدرسوا اللغة، ثم في النهاية قام بدعوة أتيشا. هناك قصة طويلة في السجلات التاريخية البوذية عن تضحية الملك يٰشى وو من أجل إحضار أتيشا. من وجهة النظر التاريخية، يبدو أن تلك الروايات مشكوك بها تمامًا؛ لكن هذا لا يهم حقًا. على أي حال جاء أتيشا للتبت بعد الكثير من الصعوبات، خاصة على يد الملك اللاحق، ابن شقيق الملك يٰشى وو المُسمى جانغتشوب وو؛ التلميذ الذي سيذكر لاحقًا في النص الذي بين يدينا.

وبقى أتيشا بالتبت لعدة أعوام وساعد في إزالة الكثير من سوء الفهم. لذا كان أحد الشخصيات الرئيسية لما يطلق عليه الازدهار الثاني للدارما في التبت. وكتب هذا النص بغرب التبت، وكما قال، على أمل أن يكون مفيدًا أيضًا للهنود. هذا النص من النصوص المهمة للغاية بالنسبة للأدبيات أو التعاليم التي جاءت بعده ويُطلق عليها اللام ريم، المراحل المتدرجة لمسار الاستنارة.

هذه المراحل يمكن أن يتم عرضها بطرق مختلف؛ هناك لها بالتقاليد التبتية الأربعة. على الرغم من أن محتوى هذا المسار المتدرج متشابه بين التقاليد الأربعة، إلا أن الهيكل الفعلي لتلك العروض مُختلف قليلًا. الهيكل الذي اِتبَّعه عرض أتيشا استخدم فيه المستويات الثلاثة للهدف الروحاني. هذا ما اتبعه بعد ذلك تقليد الكادام، والتي يمكن تتبُعه بدءًا من أتيشا، وحتى تقليد الغيلوك، والذي أصبح أشهر تقاليد الكادام بعدما أنقسم هذا التقليد للعديد من الأفرع. وذات الهيكل القائم على المستويات الثلاثة مُستَخدم أيضًا بأحد أفرع تقليد الكاغيو، الشانغبا كاغيو.

لذا، على أي حال، هذه بعض المعلومات العامة عن النص والذي يبدأه أتيشا بقوله:

أنحني للأرض احترامًا للبوديساتفا الفَتِّي مانجوشري.

يبدأ النص باسمه بكلٍ من اللغة السنسكريتية والتبتية وهنا بلغتنا اسمه "مصباح لمسار الاستنارة". تقليديًا يتم وضع الاسم السنسكريتي أولًا ومن المحتمل أن يكون كامل النص قد كُتب أولًا باللغة السنسكريتية. كنوع من الاحترام نضع الاسم السنسكريتي أولًا، ثم التبتي. النصوص الهندية التقليدية تبدأ دائمًا بتقديم الاحترام أو الانحناء للأرض احترامًا. مانجوشري هو تجسيد الحكمة أو نقاء ذهن وفهم كل البوذات. عادة ما ننحني له احترامًا في بداية النصوص.

الوعد بتأليف النص

في الغرب عادة ما يكون لدينا مُلخص صغير ببداية النص على هيئة مقالة تُقدم النص؛ هذه العادة أيضًا كانت مُتبَّعة في التقليد الهندي. لذا يبدأ أتيشا بما يُطلق عليه الوعد بتأليف النص. يوضح فيه ما الذي سيقوم بالكتابة عنه.

(1) بعدما انحنيت للأرض احترامًا لكل منتصري الأزمنة الثلاث ولدارمتهم وسانغتهم، سأشعل مصباحًا على مسار الاستنارة بعدما ألح عليّ تلميذي المتميز، جانغتشوب وو.

"المنتصرون" هم البوذات. تبدأ التعاليم دائمًا بالانحناء للأرض احترامًا لهم؛ لذا يبدأ أتيشا النص أيضًا بالانحناء احترامًا لما يُطلق عليه الجواهر الثلاث السامية. يطلق عليهم "جواهر" لأنهم في غاية الندرة وثمينين للغاية، ونُطلق عليهم باللغة السنسكريتية بوذا، دارما، والسانغا. سأشرح بعد قليل ما الذي يشيرون إليه. ثم يقول أنه "سيشعل مصباحًا لمسار الاستنارة" -وهذا هو الاسم الفعلي للنص- في محاولة منه إيضاح لما يحدث بهذا المسار.

كتابة هذا النص جاءت بناء على طلب من الملك جانغتشوب وو، والذي حكم بعد وفاة عمه يٰشى وو؛ جاء هذا الطلب منه كتلميذ لأتيشا. هذا يوضح مبدأ بوذي أساسي، وهو أن المعلم البوذي يُقدم التعاليم فقط عندما يُطلب منه، باستثناء ظروف معينة، مثلما يكون هناك تلميذًا أستثنائيًا ويرى المعلم صلة خاصة معه. عندها يُمكن للمعلم أن يهب التعاليم، لكن المعتاد هو أن يطلب التلميذ التعاليم. البوذية ليست ديانة تبشيرية حيث يحاول المعلم دفع الناس للسماع إلى التعاليم.

في البيت التالي يقول أتيشا المزيد عما سيقوم بالكتابة حوله. يقول:

(2) حيث أن (المتدربين) لديهم (مستويات) صغيرة، متوسطة وسامية، فيطلق على هذا "الأنواع الثلاثة من الأشخاص الروحانيين". ولهذا سأكتب عن تلك الأقسام الثلاثة، موضحًا خصائصهم المميزة.

عندما نتحدث عن المسار الروحاني البوذي، هناك مستويات روحانية مختلفة يمر عبرها المتدرب، عادة ما يشار إلى هذا بمصطلح "مستويات الدافع المختلفة". لكن هذه الكلمة، "الدافع"، لا أعرف بالضبط معناها في اللغات المختلفة، لكنها في الإنجليزية لا تعطي تمامًا المعنى الصحيح. عندما نتحدث عن الدافع في لغاتنا الغربية، نتحدث عن الأسباب النفسية أو الشعورية للقيام بشيء ما -نقول أنك مدفوع بالجشع أو الغضب أو الغيرة أو هذا النوع من الأشياء، أو مدفوع بالحب والشفقة.

لكن على الرغم من أهمية هذا العنصر، تفصح الحالة الشعورية التي تدفعنا للقيام بشيء ما، خاصة في تدربنا الروحاني، فهذا ليس ما تشير إليه الكلمة التبتية. الكلمة التبتي تشير إلى الهدف: ما الذي نهدف إليه، الغاية. ولذا عندما نتبع مسارًا روحانيًا تنمو أهدافنا معه. هذا ما نتحدث عنه عندما نقول "لديهم" تلك المستويات المختلفة للهدف. يستخدم أتيشا هنا كلمة تحمل دلالة النمو، هم ينمون، يتطورون من هدف روحاني لآخر.

هذا قد يعني أمرًا من اثنين: إما أنه نتيجة للتنوع في الأشخاص فسنقابل مَّن لديهم هذا أو ذك من الأهداف الروحانية، ولكن ليس هذا الهدف، أن نقوم بتصنيف البشر بناء على هدفهم الروحاني. لكن في الحقيقة قوله "مستويات صغيرة، متوسطة وسامية" -ليسوا قيم للحكم على الآخرين، ولكنهم يشيرون إلى عملية مستمرة يحتاج كلًا منا أن يمر بها من أجل أن ينضج على المسار الروحي.

مثل الزهرة التي تتفتح: تبدأ صغيرة الحجم ثم متوسطة ثم تتفتح بالكامل. بهذه الطريقة هي تنمو بالكامل أكبر وأكبر. بالمثل، المستوى أو نطاق الدافع أو الهدف من تدربنا، بذات الطريقة، قد يبدأ بشكل صغير للغاية، محدود للغاية. قد يكون، على سبيل المثال، "أنا لدي الكثير من المشاكل وأرغب في أن أكون سعيدًا، بشكل ما أُحَسِّنْ من حالي". وقد يكون هذه هي الكيفية التي بدئنا بها؛ قد يكون الهدف هو أن نصبح أكثر سعادة. لكن بينما ننمو وننضج على المسار الروحاني، أذهاننا وقلوبنا تتفتح للمزيد والمزيد ومستوانا، هدفنا يصبحان أوسع وأوسع.

هذا ما كان يعبر عنه أيتشا عندما كان يتحدث عن مستويات النمو تلك. والشيء المهم هنا، وعلى الرغم من تنوع الأسباب التي قد نميل تلقائيًا لواحد أو آخر من بين تلك المستويات، من المهم للغاية لمسار روحاني مستقر أن نمر عبر كلٍ من تلك المستويات. هناك البعض مَّن هم بشكل تلقائي محبين للآخرين ويفكرون بمساعدة الجميع وما شابه، وهذا أمر جيد جدًا. وقد نفكر بأن، "هذا هو المستوى المتقدم، الماهايانا، لذا يمكن أن نتخطى المستويين الأوليين. لا أحتاج لهذا لأني بالمستوى المتقدم. أنا بالفعل لديّ هدف المستوى المتقدم".

هناك حتى مَن هم أسوأ. يرون كل تلك الجلبة حول التانترا بما فيها من هيئات ذات أشكال مختلفة ويسمعون الدعاية البوذية عنها، مثل إعلانات الأفلام البراقة خارج دار السينما والتي تُشعِر الناس بالإثارة وتجذبهم، ولهذا يدخلون ليشاهدونها. البعض يُروجون للتانترا بتلك الطريقة. الكثيرون كانوا يقومون بذات الشيء في وقت أتيشا. هذه كانت أحد أسباب دعوة الملك لأتيشا، ويقومون بذات الشيء هذه الأيام، ويؤسفني أن أقول هذا. وقد يشعر الناس، "أنا منجذب لهذا، لذا ليس علي القيام بأي شيء آخر مما يأتي قبله. أنا شخص متقدم بشكل استثنائي".

لكن إذا قمنا بهذا وقفزنا فورًا سواء لأحد تدريبات الماهايانا العادية أو لتدريبات تانترا الماهايانا، بدون أن نعمل بجد على تلك المستويات الأولية، عندها ستكون لدينا مشكلة خطيرة بمسارنا الروحي. نحن لن نفقد فقط الأساس، ولكن أيضًا لن تكون لدينا أي جذور في الأرض. ولذا ما نقوم به يتحول في النهاية لشيء ليس حتى بوذيًا، عادة ما يصبح نوعًا من الفانتازيا الخيالية، والتي أثنائها نغادر إلى عالم التانترا الأسطوري. كان أتيشا في غاية الوضوح بشأن أن المسار الروحي متدرج النمو، متدرج النضج، كما قال، مثل الزهرة. لذا، يقول إنه سيكتب "عن تلك الأقسام الثلاثة، موضحًا خصائصهم المميزة".

ويجب أن أصرح هنا بأن ما أجده غريبًا بعض الشيء أن أتيشا كتب بيتًا واحدًا فقط عن كل من المستوى الأولي والمتوسط وبقية النص كان عن المستوى المتقدم. كتب لاحقًا شرحه الخاص لهذا النص، وحتى في هذا الشرح لم يكتب أي شيء عن النطاقين الأوليين. قال إنه ناقشهما بنص آخر. لذا فأنا حقًا أطرح هذا التساؤل: لماذا لم يكتب عنهما بذات الطريقة؟ ما كان السبب وراء ذلك؟

سنجد تلك التعاليم الخاصة بالمستوى الأولي والمتوسط، والتي يجب أن يتم التعرض لها، بشكل شديد التفصيل في نص لاحق من نصوص اللام ريم -وهو النص الخاص بغامبوبا المُسمى الجوهرة المُزينة للحرية. والذي كُتب -وللأسف لم أقم بالتحضير بشكل ملائم، لأني لا أتذكر جيدًا بعد كم سنة تمت كتابته- أتيشا كان معاصرًا لماربا، وعاش بعده لفترة قصيرة، وغامبوبا كان تلميذ ميلاريبا، والذي كان تلميذ ماربا. لذا فيجب أن يكون قد كُتب بعد نص أتيشا بقرن.

على أي حال، اشتهر غامبوبا بقيامه بالمزج بين تقليد الكادمبا، والذي بدأ بأتيشا، مع تقليد الماهامودرا. ما يعنيه هذا هو أن غامبوبا لم يختلق تلك التعاليم الخاصة بالمستوى الأولي والمتوسط. فحتى على الرغم من أن غامبوبا لم يستخدم تلك المصطلحات ذاتها -لم يتحدث عن المستويات الثلاثة- إلا إنها نفس المادة، ولكنه فقط لم يستخدم نفس الهيكل. لكن ما يدل عليه هذا هو أن تلك التعاليم كانت موجودة لدى تقليد الكادمبا. لذا فهذا يعني أنها جاءت بشكل ما من أتيشا.

لذا فإن الاستنتاج المنطقي هو أن أتيشا قدَّم تعاليم مكثفة عن المستوى الأولي والمتوسط بينما كان في التبت، ولكنه لم يكتب عنها هنا لأنه، كما قال في شرحه لهذا الكتاب، تعرض لها بكتاب آخر. ما كتب عنه هنا بالأساس هو تعاليم البوديساتفا، والتي ذهب لأندونيسيا، سومطرة، للحصول عليها. لذا فهذه التعاليم هي ما شعر بندرتها ولذا قام بالكتابة عنها.

سبب ذكري لهذا هو اعتقادي إنه سيكون من الخطأ منطقيًا أنه بسبب وجود بيت واحد عن المستوى الأولي وبيت واحد آخر عن المستوى المتوسط ثم أربعة وستين بيتًا عن المستوى المتقدم أن نستدل من هذا على تفاهة النطاقي الأولييَن وعدم أهميتهما وأننا ليس علينا أن نقضي الكثير من الوقت بهما. هذا، ما أرى إنه، منطق خاطئ.

لذا، فما هي الخصائص المميزة لتلك المستويات الثلاثة؟

المستوى الأولي

(3) أي مِمَن يهتمون بإخلاص (بتحققاتهم)، بوسيلة ما، بمجرد سعادة السامسارا المتكررة غير المتحكم بها، يُعرف بأنه شخص من ذوي المستوى الروحاني الأقل.

يهدف المستوى الأولي إلى سعادة السامسارا، فقط لسعادة السامسارا الشخصية. لذا، قد نفكر، عندما ننظر لنصوص اللام ريم التي تم كتابتها بعد هذا النص، سنعتقد أن هناك قدر من الاختلاف، لأن الصياغات اللاحقة، والتي تتحدث عن تلك المستويات الأولية بشيء من التفصيل، تقول تحديدًا بأن هذا النطاق يهدف إلى تحسين الحيوات المستقبلية. وعندما نرى هنا "تحسين سعادة السامسارا"، ألا يشمل هذا سعادة السامسارا بالحيوات المستقبلية؟

وبما أن السامسارا تتضمن هذه الحياة والحيوات التالية، فقد نفكر بأن كلا الهدفين -السعادة بهذه الحياة والسعادة بالحيوات المستقبلية- يندرجان هنا في المستوى الأولي. كما قلت، تلك نقطة غاية في الأهمية للمسار الروحاني، لأننا نقرأ: "ما الخط الفاصل بين الأشخاص الروحانيين، الشخص العادي والمتدرب على الدارما؟" الخط الفاصل هو ما إذا كان أكثر اهتمامًا بتحسين الحيوات المستقبلية عن اهتمامه بهذه الحياة.

العمل فقط من أجل تحسين هذه الحياة… حسنًا، الحيوان يقوم بهذا. ليس هناك ما هو روحاني في تخزين السنجاب لبعض البندق لفصل الشتاء -ليكون سعيدًا وليُحسن من هذه الحياة. أو شخصًا ما يبني منزلًا ليكون سعيدًا بهذه الحياة، ليس هناك ما هو روحاني بهذا. الشخص الروحاني هو من يُفكر في سياق تحسين الحيوات المستقبلية.

هذا يشكل عائقًا ضخمًا لأغلبية الغربيين، لأن معظمنا لا يُصدق في الحيوات الماضية والمستقبلية. لدينا في الديانات الغربية مناقشة بشأن الحياة الأخرى، والتي ستكون في الجنة أو الجحيم، ولكني أتسائل كم من بين هؤلاء من يتقربون من البوذية يُصدقون في وجود الجنة والجحيم؟

لذا، علينا أن نتفحص تلك الكلمة، "سامسارا"، المستخدمة بجملة "السامسارا المتكررة غير المتحكم بها" كما أُطلق عليها. في الحقيقة تتحدث تلك العبارة عن إعادة الميلاد الذي يحدث مرة بعد الأخرى وليس لدينا أي سيطرة عليه.

الآن، أفرق بين الدارما المُخففه المشابهة للمشروبات الغازية الخالية من السعرات الحرارية، والدارما الشاملة المماثلة للمشروبات الغازية الأصلية. الدارما الشاملة تتحدث عن إعادة الميلاد. هي تفترض بالكامل أن الجميع يعتقدون في الحيوات الماضية والمستقبلية. قديمًا، كانت مسألة إعادة الميلاد شيئًا مسلمًا به، لم يكونوا بحاجة إلى مناقشته. الدارما المُخففه هي ما ننجذب له عادة أكثر هنا بالغرب، والتي تتحدث عن التدرب على الدارما بالأساس في هذه الحياة، ويقتصر نطاق تدربنا بها على هذه الحياة فقط.

ونحن لا نتحدث فقط عن اقتصار تفكيرنا فقط على المتعة والسعادة الفورية، ولكننا نحاول تحسين وضعنا بالحياة التالية. وعندما نتحدث عن السامسارا، فنحن نتحدث في سياق "المواقف المتكررة غير المتحكم بها". هذه هي الطريقة التي أُترجم بها هذا المصطلح. ندخل في علاقات اعتمادية غير صحية مع شخص ما ويخلق هذا العديد من المشاكل؛ لا تنجح مثل تلك العلاقة، نخرج منها، ثم ندخل واحدة أخرى. نفس الاعتمادية مرة أخرى، ثم نخرج منها، ثم ندخل في واحدة جديدة. يحدث هذا بشكل غير متحكم به -هذه هي السامسارا.

نلجأ إلى التعاليم البوذية من أجل مساعدتنا على كسر تلك المتلازمة المتكررة غير المتحكم بها لما تجلبه علينا من ألم ومعاناة. وحتى عندما ننظر إلى تلك المستويات الثلاثة فإننا ننظر إليها من خلال الحياة الحالية. المستوى الأولي، نرغب في تحسين الأمور، أفضل قليلًا؛ المستوى الأوسط، نرغب في تحقيق التحرر من كل المشاكل باختلاف أنواعها، وليس فقط تحسين الأمور؛ ثم المستوى المتقدم، نرغب في مساعدة الجميع على تحقيق ذات الهدف. يعكس هذا تطور تدريجي في الهدف الروحاني، من منظور ما يمكننا أن نقول أن هذه أهدافًا روحانية. لكن هل هي أهداف روحانية حقًا؟

لا أعرف. أم هم نوع من الأهداف التي سنتطور من خلالها إذا ما كنا سنقوم بنوع من العلاج النفسي الغربي؟ أعتقد أنه ليس هناك فارق كبير بهذه المستوى بين التدرب البوذي والعلاج النفسي المتقدم. بعبارة أخرى، هل هذا يُقلل من البوذية ليجعلها مجرد نوع آخر من العلاج النفسي؟ هذا ما أطلق عليه الدارما المخففة، مثل الكوكاكولا الخالية من السعرات الحرارية، والقائمة على التعاليم الأساسية التي نحبها جميعًا، مثل نكهة الكوكا كولا المحببة لنا جميعًا، "كن شخصًا جيدًا" و"لا تؤذي أحد"، وما شابه. لا شيء خطأ في الكوكا كولا الخالية من السعرات الحرارية. ولا شيء خطأ بهذا النوع من الدارما، هي مفيدة للغاية. لكن إذا تفحصنا تعريفات التدرب على الدارما، فالدارما المخففة ليست مطابقة تمامًا لهذه التعريفات.

لكن في الدارما الشاملة نحن نتحدث عن مستويات الدافع الثلاثة، الأول هو الرغبة في تحسين حيواتنا المستقبلية، والذي يفترض بالضرورة فهمنا وتصديقنا في وجود حيوات مستقبلية، وإلا لماذا سنرغب في تحسينها؟ وبالطبع من الضروري أن يكون فهم الحيوات الماضية والمستقبلية وفقًا للشرح البوذي، وليس وفقًا للشرح الهندوسي أو المسيحي أو أي شروح أخرى. ثم المستوى الأوسط والخاص بتمني تحقيق التحرر بالكامل من إعادة الميلاد، لا مزيد من إعادات الميلاد. من الواضح إننا لن نستطيع استهداف التحرر من إعادة الميلاد إذا لم نكن نعتقد في إعادة الميلاد.

ثم المستوى المتقدم الخاص بالعمل على تحرير الجميع من إعادة الميلاد. وبالمثل، إذا لم نعتقد في إعادة الميلاد، فلماذا سنساعد أي شخص آخر على التحرر منه؟ وإذا ألقينا نظرة على أعلى مستويات التانترا، تانترا الأنوتارايوغا، سنجد أننا نقوم بالتدرب على تأمل محاكاة الموت، الباردو، وإعادة الميلاد من أجل التغلب على تلك دائرة السامسارا ومساعدة الآخرين في التغلب عليها. إذا لم نصدق في إعادة الميلاد، فما الذي نقوم به بتدريبات التانترا تلك؟

نرجع مرة أخرى إلى نص أتيشا. إذًا ما الذي يقوله؟ من الواضح إن إعادة الميلاد هي نقطة محورية، والذي يؤخذ كشيء مسلم به في التعاليم البوذية. لذا، إذا تحدثنا بالمستوى الأولي عن استهداف السعادة في السمسارا، خاصة حيث أن أتيشا لا يفسر بشكل واضح ما الذي يقصده بالضبط، فأمامنا طريقتين لفهم هذا الأمر. ستكون إحداهما تحسين حيواتنا المستقبلية -وهو التفسير الذي سارت عليه جميع نصوص اللام ريم التالية والتي استفاضت في شرح هذا التفسير. لكني أعتقد أن هناك طريقة أخرى لتفسير هذا، والتي ستكون بالعمل من أجل تحقيق السعادة في السامسارا في كل من هذه الحياة والحيوات المستقبلية.

مع ذلك فهذا لا يعني العمل فقط على هذه الحياة بدون أدنى اهتمام بالحيوات المستقبلية. لكن أعتقد أنه من أجل أن نكون مخلصين للتقليد، يجب أن نقول "العمل لسعادة هذه الحياة كخطوة تمهيدية على طريق العمل لتحقيق السعادة بالحيوات المستقبلية". وفي مرحلتنا الحالية سنقول، "أنا لم أفهم بعد التعاليم البوذية الخاصة بإعادة الميلاد…".

في الحقيقة هذه التعاليم غاية في التعقيد. لفهم التعاليم المتعلقة بإعادة الميلاد علينا أن نفهم كامل شرح كيف أن الذهن بلا بداية ولا نهاية، وسيكون علينا فهم ما الذي ينتقل حقًا من لحظة لأخرى، وهو الأمر الذي يتلاءم مع كامل التعاليم البوذية المتعلقة بعدم وجود ذات راسخة. لذا نقول:

"حسنًا، أعترف بأني لم أفهم هذا بعد. أُقر بأن إعادة الميلاد موضوع بغاية الأهمية، مركزي في المسار البوذي. ولديّ اهتمام ورغبة مخلصة في محاولة فهم تلك التعاليم الخاصة بإعادة الميلاد، أن أدرسها، أنا أحاول التفكير بها، التأمل عليها، وأن أحاول فهمها بحيث أني عندما أتحدث عن العمل لتحسين الحيوات المستقبلية، فسيعني هذا شيئًا حقًا على المستوى الشعوري. لن تكون مجرد كلمات أتفوه بها في سياق الفكرة المسيحية عن الجنة مثلًا، والتي تختلف تمامًا عما تتحدث عن البوذية. ولكن في الوقت الحالي، سأسلك مسار الدارما المخففة وأعمل على تحسين هذه الحياة كخطوة تمهيدية لتحقيق ذلك".

وأعتقد أن هذا ما صاغه أتيشا كأحد العلامات الفارقة للمستوى الأولي والتي تسمح بهذا التفسير الثاني، على الرغم من إنه ليس التفسير التقليدي التبتي، لأننا -وسيكون علينا هنا أن ندخل في مناظرة سريعة- إذا عملنا من أجل السعادة بالسامسارا ألا يتضمن هذا أيضًا العمل على السعادة بهذه الحياة؟ لإننا إذا رفضنا هذه المقدمة فالنتيجة المترتبة على رفضنا هذا ستكون أن "هذه الحياة ليست جزءًا من السامسارا"، وهذه نتيجة غير مقبولة.

لهذا السبب أتحدث عن تلك المراحل، الدارما المخففة والدارما الشاملة أو الحقيقية. وأعتقد أن هذا مهم للغاية لنا كغربيين يتعرفون على نص أتيشا، وإلا سنصل لأفكار غير ملائمة تمامًا عما يتحدث عنه أتيشا بهذا النص. قد نهجره بالكامل لأنه "يتحدث فقط عن هذه الحياة وتجاهل تمامًا الحيوات المستقبلية أو أي شيء ذي صلة بها"، لكن في الحقيقة، ومن خبرة كبيرة بناء على ما رأيته بالبوذية هنا بالغرب، هذه ليست الدارما الشاملة، وهذه الطريقة ليست الطريقة الصحيحة. هناك شيئ مفقود، لدينا بالغرب شيئًا كبيرًا مفقودًا هنا.

إذًا، ما هي تعاليم المستوى الأولي؟ لا أرغب في أن أقضي وقتًا طويلًا بالمستويين الأولي والأوسط، لأن أتيشا لم يقض بهمًا وقتًا طويلًا. لذا دعونا نتحدث عنهما باختصار. بالأساس، ما الذي يحتاج أن يقوم به الشخص من أجل أن يحظى بالسعادة في السامسارا -حسنًا، نحن نتحدث عن تحسين هذه الحياة والحيوات المستقبلية- نحتاج ما يُطلق عليها عادة "الملجأ".

كلمة "الملجأ" في غاية السلبية؛ توحي كما لو إننا نتوجه إلى بوذا قائلين، "بوذا! ساعدني، أنقذني"، ثم يتم إنقاذنا. الأمر ليس هكذا على الإطلاق. ولكنه بالأحرى يعني "توجه آمن في الحياة"، لذا فهو مفهوم إيجابي. نحن نتخذ هذه الوجهة، علينا أن نسير نحوها، وسنجد الأمان من مشاكلنا بوصولنا لهذه الوجهة. لكن ما الذي يُحدِّد لنا تلك الوجهة؟ الجواهر النادرة السامية الثلاثة. من بينهم الدارما هي الشيء الرئيسي. تتحدث الدارما عن الإزالة الكاملة لكل مشاكلنا وأسباب تلك المشاكل والحالة الذهنية التي ستزيلهم والحالة الذهنية التي ستنتج عندما نزيل تلك المشاكل وأسبابها. وتلك هي الحقيقتين النبيلتين الثالثة والرابعة -نشير هنا لتعاليم الحقائق الأربع النبيلة- حالة زوال تلك المشاكل والذهن الذي يعمل على إزالتها وسيصل لإزالتها. هذه هي الوجهة التي نهدف للوصول إليها.

الآن، ما نصفه هنا هو ليس بشيء ذي وجود نظري مجرد؛ هو شيئ يجب أن يوجد بالاستمرارية الذهنية لشخص ما. لذا، البوذات هم هؤلاء من حققوا بالكامل تلك الحالة ويعلموننا كيفية تحقيق هذا بأنفسنا. وعندما نتحدث عن السانغا، فهذه هي الاستمرارية الذهنية للكائنات سامية الإدراك التي حققت هذا الهدف جزئيًا، لم يصلوا إليه بالكامل بعد، ولكن بشكل جزئي، وهذا بوصولهم للإدراك غير النظري للخلو، للواقع. وبالتالي فهم متدربون متقدمون للغاية. وهذا سيكون أول شيء سنحتاج إلى تحقيقه من أجل أن نكون سعداء بالسامسارا. يجب أن يكون لدينا توجه آمن بالحياة ورؤية واضحة لما نقوم به في حياتنا، ما الذي نهدف إليه، ما الغاية من حياتنا.

الناس عادة ما يُقللون من شأن الملجأ بتحويله لمجرد نوع من المراسم حيث نقوم بقص قطعه من شعر الرأس وترديد بعض الكلمات التبتية والحصول على اسم تبتي وفقط، وبهذا نكون قد انضممنا إلى نادي البوذية التبتية ويمكننا ارتداء خيط أحمر حول رقبتنا. كم هذا سخيف وتافه. لكي يكون لدينا توجه آمن حقيقي في حياتنا، يجب أن نعرف حقًا ما هذه الوجهة، أن نكون واضحين بشأنها، ومقتنعين بإمكانية تحقيق هذا الهدف وقدرتنا على تحقيقه بأنفسنا، وليس كأنه شيئًا حققه البوذات في الماضي وفقط، ثم بعد ذلك نعقد العزم، وبشكل إيجابي، على "سأضع هذه الوجهة لحياتي. هذا ما سأعمل على الوصول إليه. حياتي لها معنى، لها وِجهة"، وهذا تغيير كبير، تغيير لا يصدق لحياتنا.

لذا، أول شيء نحتاجه من أجل أن نحظى بالسعادة في السامسارا هو أن يكون لدينا توجه ما إيجابي وآمن في حياتنا. نحن نعمل على تخليص أنفسنا من مشاكلنا ومن أسبابها لأجل أن نصل إلى تلك الحالة الذهنية التي ستُزيلهم وستكون خالية منهم والناتجة عن إزالتهم -بذات الطريقة التي حققها بوذا بالكامل، تمامًا، والطريقة الجزئية التي حققها بها السانغا. الآن، للقيام بهذا، لتحقيق هذا الهدف، نحتاج بعض الشروط المساعدة، الظروف الملائمة لتحقيق هذا. لذا أولًا نحتاج لموقفنا الحالي وما إذا كانت لدينا تلك الشروط الملائمة. وهذا ما يُطلق عليه الميلاد البشري الثمين.

علينا أن نُقدر هذا الأمر، أن نُدركه ونقدره. وعلينا أن نستفيد منه ونستخدمه لاِتباع هذا المسار، لأنه سينتهي في يوم ما، الموت أتٍ لا محالة. الآن، إذا فكرنا في سياق الدارما الشاملة، فما أن نموت، سيكون هناك إعادة ميلاد وقد تسير الأمور بشكل أسوأ. قد نولد بحالات لا يكون لدينا فيها أي فرصة لتحسين حياتنا، مثل أن نولد كصراصير. كصرصور، كل من يرانا سيرغب فقط في سحقنا. هذا ليس بالشيء اللطيف. لأننا نرغب في تجنب هذا، نحتاج لأن نقوم حقًا الآن بشيء يمنع حدوث هذا. وهذا يجلبنا للتعاليم المتعلقة بالكارما.

تتحدث الكارما عن البواعث، الباعث الذي يدفعنا للقيام بشيء قهري، وتنشأ تلك البواعث عن العادات المتولدة عن سلوكياتنا السابقة. وبالتالي إذا تصرفنا بطريقة هدامة -وهناك الكثير من التعاليم عن الأنواع المختلفة من السلوك الهدام فلا حاجة للاستفاضة بها هنا- مثل القتل، السرقة، الكذب، التفكير بشكل مستمر في، "كيف يمكنني الحصول على ما لدى شخص آخر؟" وكل تلك الأشياء الهدامة، والتي ستتسبب في تكرارنا القهري لتلك النوعية من التصرفات والتي ستؤدي بنا للمواقف التي سيقوم فيها الآخرون باتخاذ ردود أفعال تجاه تصرفاتنا تلك، والتي ستتسبب، بشكل عام، في شعورنا بالتعاسة.

في المقابل، إذا تصرفنا بشكل بناء، أي امتنعنا عن التصرف الهدام، يحدث العكس. وأحد الأشياء التي أرغب في الإشارة إليها هنا: حقيقة أني لا أقوم بالصيد لا تعني بحد ذاتها أن هذا سلوك بناء، هذا ليس السلوك البناء الذي نتحدث عنه هنا. السلوك البناء هو: عندما يتولد لدينا باعث قتل كائن ما، مثل البعوضة التي تطن حول رؤسنا ويتولد لدينا الباعث لقتلها -بهذه اللحظة، اتخاذ قرار بعدم قتلها لإدراكنا بأن هذا سيكون شيئًا هدامًا وسيؤدي لتعاسة وصعوبات مستقبلية، هذا هو الامتناع عن السلوك الهدام عندما نرغب في التصرف بشكل هدام -هذا هو ما يعتبر بناءً.

لذا، إذا تصرفنا بشكل هدام سيجلب هذا علينا التعاسة؛ إذا تصرفنا بشكل بناء سيجلب علينا هذا السعادة. لكن عندما نراقب حياتنا، فهذه السعادة لا تحدث بشكل فوري، أليس كذلك؟ شخص ما سرق ولا يتم القبض عليه أبدًا وجمع الكثير من المال فيكون قادرًا على شراء الكثير من الأشياء ويكون سعيدًا. كيف نفسر هذا؟ أو راهب في التبت: يمارس التأمل، يقوم بكل الأشياء البناءة الإيجابية ثم يتم الإلقاء به في سجن صيني ويُعذب حتى الموت. أين هي الكارما من كل هذا؟

أو "لقد كنت متدربًا جيدًا وحاولت جاهدًا طيلة حياتي، ثم أصيب بالسرطان وأموت موتة مؤلمة للغاية". إذا لم نفكر في سياق الحيوات المستقبلية وتدربنا على الدارما فقط على أساس من التفكير بهذه الحياة، عندها ستبرز أمامنا أسئلة مهمة للغاية بشأن الكارما وسيكون لدينا مشاكل معها. "لقد كنت أتدرب بشكل جيد للغاية الآن أصابني سرطان قاتل"، وتفكر "الدارما كانت عديمة النفع. كان من المفترض أن أختبر السعادة كنتيجة للتدرب الذي قمت به ولكن هذا لم ينجح".

لهذا السبب، ومن البداية، من المهم جدًا أن يكون لدينا بعض الفهم للحيوات المستقبلية، لأن الكارما غالبًا ما تُثمر بالحيوات المستقبيلة؛ بعضها قد يُثمر في هذه الحياة، لكن الأغلبية بالحيوات المستقبلية. وإلا كان من الصعب للغاية أن نبني الثقة بهذه التعاليم.

لذا، إذا رغبنا في أن يكون لدينا الظروف أو الشروط الملائمة بالمستقبل -وهنا بالمستوى الأولي نتحدث خاصة عن الحياة المستقبلية- إتباع نهج الامتناع عن السلوكيات الهدامة سيساعدنا على تحقيق هذا. لكن هذا ليس الهدف النهائي. ليس هدف البوذية هو أن نولد بجنة ما: ليس هناك شيئًا كهذا في البوذية. هناك الكثير من الديانات الأخرى التي تطمح لتحقيق هذا. المستوى الأولي ليس بالكامل حصرًا على البوذية. كما في الكثير من تلك الديانات التي يُفكر أتباعها من منظور، "حسنًا، لدي تلك الحياة الثمينة وأرغب في أن استخدمها لأني سأموت ولا أرغب في الذهاب إلى الجحيم، أرغب في الذهاب إلى الجنة. لذا سأكون شخصًا جيدًا".

لكن هذا بالتأكيد ليس له علاقة بالبوذية، قد يتبع أحدهم طريقة التفكير هذه ويصبح مسيحيًا. ما الذي يجعل التدرب بوذيًا هو الرغبة في تحسين الحيوات المستقبلية لأجل الاستمرار في الحصول على الشروط الملائمة بحيث نستطيع الوصول إلى هذا الهدف الذي تحدثنا عنه في سياق التوجه الآمن. ويمكننا التدرب على نسخة صحيحة من الدارما المخففة عبر التفكير في:

"حسنًا، سأحاول من الآن تجنب السلوكيات الهدامة، لأني أرغب في أن استمر في الحصول على أفضل الشروط المثمرة للتدرب على الدارما في هذه الحياة، لأن الموت آت. أي كان مقدار الوقت الذي أمامي، أرغب في استثماره بالمسار الروحاني بأفضل طريقة، وإذا تصرفت بشكل هدام، سأضيع حقًا وقتي. لكني أدرك أن ما سأختبره في هذه الحياة ليس قائمًا وحسب على ما أقوم به فيها؛ سيثمر الكثير من الحيوات السابقة. لذا سأحاول بقدر استطاعتي تنقية بذور الكارما السلبية السابقة، مُدركًا أني بهذا لا يمكنني التخلص منها بشكل نهائي حتى تحقيقي للتحرر -ومسار التحرر طويل للغاية". و"سأعمل بتلك الطريقة نحو وجهتي الآمنة، سأعمل من خلال الكارما وما شابهها".

هذا هو الهدف الأولي والمدعم بفكرة، "نعم، أنا أرغب في فهم الحيوات المستقبلية وأرى أن هذا ضروري للعمل من أجل تحسين حيواتي المستقبلية. وإذا رغبت حقًا في تحقيق تقدم على هذا المسار، فسيكون علي أن أواجه حقًا كامل موضوع إعادة الميلاد هذا وأن أبحثه بالفعل بشكل جاد".

حسنًا، هذا هو المستوى الأولي.

الأسئلة

هل يمكن أن تقرأ لنا البيت الخاص بالمستوى الأولي مرة أخرى؟

البيت هو:

(3) أيًا مِمَن يهتمون بإخلاص (بتحققاتهم)، بوسيلة ما، بمجرد سعادة السامسارا المتكررة غير المتحكم بها، يُعرف بأنه شخص من ذوي المستوى الروحي الأقل.

كل ما يقوله أتيشا هنا هو: العمل بأداة ما لتحقيق السعادة الفردية بالسامسارا. لكنه من الواضح لا يتحدث عن، "أصبح ثري بأي وسيلة، سواء كان هذا بخداع الآخرين وبخلافه. من أجل أن تكون قادرًا على شراء كل شيء وتصبح سعيدًا". في الحقيقة يثير هذا البيت سؤالًا غاية في الأهمية، "ما هي السعادة بهذه السامسارا؟" هذا شيئ علينا أن نفكر فيه. ما الذي نعنيه بكلمة سعادة؟ "أرغب في أن أكون سعيدًا". ما هي تلك السعادة التي نسعى إليها؟ هذا موضوع للتدبر الشخصي.

هذا سؤال جيد لأنك إذا سرقت بعض المال وقمت ببناء منزل لوالدتك فستكون سعيدًا لهذا.

مرة أخرى، طرحت سؤال، "ما هي السعادة التي نختبرها؟ كم تدوم؟ والذي يجعلنا نشعر بهذه الطريقة؟" "أنا جالس بغرفتي ولا أشعر بالسعادة. لا أعرف تحديدًا لماذا، لكني لا أشعر بالسعادة، أشعر بالتعاسة، وأرغب في أن أشعر بالسعادة". حسنًا، ما هو هذا الشعور الذي نرغب في أن نشعر به؟ وما الذي قد يجعلنا نشعر بهذا؟ وهل سيدوم؟ كما قلت، هذا ليس سؤالًا نجيب عليه سريعًا بشكل سطحي. وعندما قال أتيشًا "بوسيلة ما"، هل كان يقصد بوسائل هدامة؟

هذا يأتي بنا للتعاليم الخاصة بالكارما؛ وهي شديدة التعقيد. فعل سرق المال أعطاك نتيجة من نوع ما -حصلت على المال. الآن، كنتيجة لهذا، ستقوم ببناء بيت وسيكون لوالدتك العجوز منزلًا. ورؤيتك لوالدتك العجوز في منزلها الجميل تُشعرك بالسعادة. لكن من المنظور البوذي، عندما نتحدث عن السعادة الناتجة عن الفعل البناء والتعاسة الناتجة عن الفعل الهدام، فنحن لا نتحدث عن هذا النوع من النتائج. ما تتحدث عنه في سؤالك مشابه أكثر للنتائج الآلية: تسرق المال فيكون معك مالًا -هذه هي النتيجة الآلية للفعل، ولكنها ليست نتيجة كارما هذا الفعل.

يمكننا بناء منزل لوالدتنا وتكرهه. إعجاب والدتنا بالمنزل من عدمه هو نتيجة الكارما الخاصة بها هي. وسواء ما شعرنا بالسعادة نتيجة لهذا أم لا فهذا هو نتيجة الكارما الخاصة بنا؛ هي ليست نتيجة كارما فعل السرقة. فعل السرقة مكننا من بناء البيت؛ ما سنشعر به هو شيء آخر. قد يظل لديك الكثير من الخلافات مع والدتك ولا تكون سعيدًا.

إذا هل يعني هذا إنه ليس من المهم ما يحدث، ولكن المهم هو الطريقة التي نشعر بها تجاهه؟

لا، ليس هذا ما قلته. ما أقوله هو: ما يحدث وما نشعر به تجاه ما يحدث يمكن أن ينشئان نتيجة لأسباب مختلفة. قد تسرق بعض المال، حصلت على المال، تحاول بناء المنزل، لكن المنزل ينهار. هناك العديد من الأشياء التي يمكن أن تحدث: قد يحترق المنزل، وما شابه، الأمر معقد للغاية. وكل من تلك الاحتمالات ينبع عن أسباب كارما مختلفة. وهذا مختلف عن السببية الآلية مثل "أنا أسقطت المصباح فأشتعل الحريق بالمنزل".

التكريس

الطريقة التي نُنهي بها جلستنا هي بالقيام بالتكريس، وهذا شيء في غاية الأهمية عندما نفكر في سياق الكارما. إذا قمنا بشيء إيجابي أو بناء، مثل الاستماع للتعاليم، أو محاولتنا لفهمها -قد نرغب في الذهاب لمشاهدة فيلم ما، لكننا منعنا أنفسنا عن هذا وجئنا هنا، أو أيًا كان- بالتأكيد هناك قدر من القوة الإيجابية التي قمنا ببنائها عبر هذا الفعل البناء. عادة ما يترجم هذا إلى "استحقاقات"، والتي هي، على الأقل في الإنجليزية، كلمة غاية في السخافة، لإنها تبدو كما لو أن، "حسنًا، لقد حصلت من هنا على ثلاثة نقاط"، ونسجل النتيجة وفي النهاية، لربما، إذا حصلنا على عدد كافي من النقاط، نفوز في اللعبة. هذا ليس ما نتحدث عنه هنا، بدلًا من ذلك هي نوع من "القوة الإيجابية"، الطاقة.

الآن، ما الذي تقوم به الكارما الإيجابية؟ ستثمر على هيئة سعادة بالسامسارا. لذا إذا لم نقم بأي شيء بعد انتهائنا من الفعل البناء، إذا لم نكرس الطاقة المتولدة عن هذا الفعل، عندها ستساهم تلك الطاقة الإيجابية بشكل تلقائي في تحسين وضعنا بالسامسارا. يمكننا استخدام مثال الحاسب الآلي. الإعدادات التلقائية لجهاز الحاسب الآلي هي أن يتم حفظ القوة الإيجابية في مجلد "تحسين السامسارا". إذا رغبنا في توجيه تلك الطاقة الإيجابية نحو تحقيق الاستنارة، فسيكون علينا حفظها في مجلد "الاستنارة".

سيكون علينا الضغط على زر الحفظ بمجلد "الاستنارة"، وإلا سيتم حفظها تلقائيًا بمجلد "السامسارا". لذا هذا هو التكريس، حفظ تلك الطاقة الإيجابية بمجلد "الاستنارة". لذا فهذا ما نقوم به في النهاية. نقول، "أي كانت القوة الإيجابية التي قمت ببنائها، ليتها تساهم في تحقيقي للاستنارة لأكون قادرًا على نفع جميع الكائنات". هذا يدفع بتلك القوة الإيجابية في هذا الاتجاه بدلًا من أن تساهم في أن نحصل مثلًا على محادثة شيقة أثناء احتسائنا لكوب من الشاي -هذا تحسين للسامسارا، وليس بالشيء الكبير.

نفكر، أيًا كانت القوة الإيجابية التي قمنا ببنائها نتيجة لفعلي هذا، ليتها تساعدني وتساهم حقًا في تحقيقي الاستنارة من أجل نفع جميع الكائنات.

Top