تنمية الرغبة في التحرر والاستنارة

بدئنا شرحنا لنص أتيشا ورأينا أنه تحدث عن مراحل ننمو أو نتقدم بها أثناء سيرنا على المسار الروحاني. ورأينا أن إحدى طرق وصف كيفية التقدم هو أن مستوانا أو هدفنا يتطور تدريجيًا من عظيم لأعظم. وتم وصف هذا في سياق ثلاث مستويات روحانية أو أشخاص المستويات الروحانية الثلاثة. ثم تحدثنا بالأمس عن المستوى الأولي.

تلك الكلمة التي يستخدمها أتيشا للثلاثة أنواع من الأشخاص الروحانيين مثيرة للاهتمام. إنها كلمة "بُروشا" في السنسكريتية. كلمة بُروشا هي مصطلح تقني يظهر في الأدبيات الهندية وتجعلني أتسائل ما إذا كان لمعناها صلة بهذه السياقات أم لا. لأن لدينا تصنيفين بمدرسة السامكيا الفلسفية الهندية: هناك ما يُطلق عليه المادة، المادة الأولية، ثم هناك البُروشا والتي هي مضاد لها. تتصل البُروشا أكثر بالذهن الذي ينتقل من حياة لأخرى، وبالتالي فهي أقرب للشخص في سياق ما ينتقل من هذه الحياة إلى الحياة التالية. لهذا السبب أعتقد أنه لم يكن يتحدث عن أفراد، بل عن حالات ذهنية تتطور من حياة لأخرى في سبيلها للاستنارة.

يهتم المستوى الأولي بتحقيق السعادة في إعادات ميلاد السامسارا، وهذا ما يتم التحدث عنه في الغالب في سياق الاستمرار في الحصول على الميلاد البشري الثمين بالحيوات المستقبلية. لأن الاحتمالات هي أننا لن نصل إلى التحرر أو الاستنارة بهذه الحياة، لذا نحتاج لأن نكون قادرين على الاستمرار في تدربنا أيضًا بالحيوات المستقبلية.

لهذا السبب عندما نفكر في سياق اتباع المسار بأكمله، حتى عندما نكون بمستوى الماهايانا أو مستوى تانترا الماهايانا، يظل هذا المستوى الأولي غاية في الحيوية كأساس، لأننا سنحتاج لأن يكون لدينا ميلاد بشري ثمين، والقدرة أيضًا على الاستمرار في تدربنا بالحيوات المستقبلية. لذا إذا لم نتخذ من الآن إجراءات تأمين حيواتنا المستقبلية، فسنكون في ورطة كبيرة عند الموت. لأنه بوقت الموت، إذا لم نكن قد وصلنا للتحرر أو الاستنارة، وهذا في الأغلب ما سيكون عليه الوضع، سيكون شعورنا أنه "كم كانت هذه مضيعة للحياة".

لكننا إذا قمنا بتأمين استمرارية الشروط المساعدة في المستقبل وعملنا حتى على تحسينها، عندها سنشعر، "لقد اتخذت في هذه الحياة بعض الخطوات للأمام بهذا الاتجاه، هذا جيد للغاية"، و"سأكون قادرًا على الاستمرار"، ونموت براحة بال عظيمة. من المهم ألا ننظر إلى المستوى الأولي فقط في سياق، "أرغب في أن أولد بالجنة، وكل شيء سيكون رائعًا". كما في الكثير من الديانات، هذا ليس المستوى الأولي.

المستوى الأوسط

(4) أي شخص يدير ظهره لمتع هذا الوجود القهري ويهجر بواعث الكارما السلبية، والذي لديه اهتمام متقد فقط بحالة السلام الخاصة به، يُعرف بأنه شخص المستوى الروحاني الأوسط.

النقطة الرئيسية بالمسار الأوسط هي الرغبة في التحرر الكامل من السامسارا، أي من إعادة الميلاد المتكرر القهري، وهذا لأننا طفح بنا الكيل من هذه الدائرة اللانهائية -الميلاد، كل المشاكل التي نعانيها بينما نتقدم في الحياة، مشاكل كسب الرزق، مشاكل العمل الشاق، المرض، الشيخوخة، الموت، ثم نكرر كل هذا مرة بعد الأخرى، كم هذا شيئًا مزعجًا.

وإذا تفحصنا الأمر أكثر، ما يحدث دائمًا بالسامسارا هو أننا في صعود وهبوط دائم. هذا الصعود والهبوط ليس فقط فيما له علاقة بأشكال إعادات الميلاد التي نتخذها، ولكن من لحظة لأخرى تسير الأمور صعودًا وهبوطًا: أحيانًا نشعر بالسعادة، ثم في اللحظة التالية نشعر بالتعاسة. مزاجنا يتغير صعودًا وهبوطًا، حالتنا الشعورية تتغير صعودًا وهبوطًا ولا نعرف أبدًا ما الذي سيحدث باللحظة التالية، وهذا ما هو في غاية البشاعة.

الآن بخصوص تلك النقطة، الصعود والهبوط المستمر بالسامسارا، من المهم جدًا أن نتذكر أننا بينما نتبع المسار الروحاني، لأن هذا شيئًا سيستمر معنا حتى نحقق التحرر، أي حتى نصبح كائنات متحررة بالكامل، أرهات. وهذا يعني حتى إذا كنا متدربين متقدمين للغاية، لكن لم نصل بعد للتحرر، سنظل نختبر هذا الصعود والهبوط. أحيانًا سنشعر بالرغبة في التدرب؛ أحيانًا لن نشعر بالرغبة في التدرب. هذا طبيعي؛ هذه إحدى خصائص السامسارا. أحيانًا ستسير الأمور بشكل جيد، أحيانًا لن تسير بشكل جيد وسنمرض أو نتأذى أو ما شابه. هذا طبيعي، لا مفاجئة في هذا.

إذا فهمنا هذا، فلن نفقد حماستنا عندما تتذبذب الأمور صعودًا وهبوطًا، لكن سيكون لدينا المثابرة للاستمرار في التقدم -أطلق عليها "المثابرة المشابهة للدرع- لن نفقد حماستنا عندما تسير الأمور صعودًا وهبوطًا، ولكننا فقط سنستمر.

لكن في هذه المرحلة بالمستوى الأوسط، نقول، "لقد نلت كفايتي من كل هذا. أنا لست متعبًا بالكامل من هذه السامسارا ولكني أيضًا مشمئز منها وأصابني الملل. كم هي مملة وأرغب في الخروج منها". ما أن نشعر بالملل من السامسارا حتى نبدأ فعليًا بالقيام بشيء تجاهها. ثم ننمي ما يُطلق عليه "التخلي عن السامسارا". هذه كلمة خاصة للغاية ونحتاج أن نفهمها جيدًا. "التخلي" -الكلمة التبتية تعني "أن نكون حاسمين". هي حسم، وما نصبح حاسمين بشأنه هو هجرنا للسامسارا وكل عدم الرضا الذي يملئها، الحيوات المستقبلية غير المرضية، ونصبح عازمين على التحرر من هذا كله.

هذا يعني أن نعقد العزم على التخلي عن أشياء بعينها. ما الذي نتحدث عن التخلي عنه، أو تخليص أنفسنا منه، هي المشاكل المختلفة التي لدينا والأسباب التي تجلب علينا تلك المشاكل. هذا ما نحتاج لأن نتخلص منه، لذا نتخلى عنها، نبتعد عنها. نحن لا نتحدث هنا عن التخلي عن الأشياء العادية مثل المثلجات وما شابه؛ نحن لا نتحدث عن هذا. ما نتحدث عنه هو التخلي عن حالات ذهنية بعينها والخبرات التي تقودنا لها تلك الحالات الذهنية والتي هي بالأساس حالات ذهنية مزعجة وتجلب علينا الكثير من المشاكل والتي "أنا عازم حقًا في عدم رغبتي بالاستمرار بهذه الطريقة. أرغب في إيقاف هذا، الابتعاد عنه". وهذا يعني أن نهجرها.

من السهل نسبيًا أن نتخلى عن مشاهدة التلفاز أو تناول المثلجات؛ هذه أشياء، بشكل ما، غاية في التفاهة. لكن ما نتحدث عنه هنا هو التخلي عن الجشع، التخلي عن التعلق، التخلي عن الغضب. ولا نقول فقط، "حسنًا، سأتخلى عن التعلق"، أو"لن أغضب". بل سنعمل حقًا وبكل جد لتخليص أنفسنا من تلك الحالات الذهنية المزعجة. وهذا لا يتعلق فقط بالالتزام، "سأتوقف عن هذا". هذا يعني أن نعمل عميقًا جدًا جدًا لنُخلص أنفسنا من تلك المشاكل ومن أسبابها.

"ما الذي يُسبب جشعي، تعلقي، غضبي؟" أبحثوا عميقًا. "حسنًا، إنه عدم الأمان". "ما هو السبب في شعوري بعدم الأمان؟ أرغب في التخلي عنه، أرغب في أن أوقف هذا الشعور، بما يعني أني بحاجة لتخليص نفسي مما يسببه". أبحثوا أعمق بقدر الإمكان. هذا ما نعنيه عادة بكلمة "هجر" تلك الأشياء، ولكنها ليست الكلمة الصحيحة تمامًا، هي تعني أن نُخلص أنفسنا منها، أن نتخلص منها. عندما تكون أذهاننا حاسمة للغاية بهذا الشأن، لا تردد، ولكن حسم كامل، "أنا عازم على القيام بهذا"، فهذا هو ما يعنيه التخلي.

كما رأينا من قبل في التوجه الآمن أو الملجأ، وهو أيضًا جانب مهم من العزم الذي ننميه هنا، جانب مهم بهذا التخلي، هو اقتناعنا بإمكانية تخليص أنفسنا من تلك الأشياء وأننا قادرين على القيام بها. هو ليس مجرد حلمًا جميلًا لا نعتقد في إمكانية تحقيقه. بكل هذا من المهم للغاية أن يكون لدينا فهم واضح لطبيعة الذهن، الاستمرارية الذهنية، وأنها ليست بطبيعتها ملوثة بتلك الأشياء، أنه من الممكن حقًا أن نزيل هذا الارتباك وكل الأشياء الأخرى التي تتسبب لنا في مشاكلنا. هذا حيوي للغاية؛ وإلا ستصبح البوذية بأكملها عبارة عن حلم لطيف، أمنية لطيفة، ولكن دون أي اقتناع بإمكانية تحقيق تلك الأهداف البوذية.

كيف يصف أتيشا الشخص الذي بالمستوى الأوسط؟ يقول أتيشا أنه شخصًا "أدار ظهره لمتع هذا الوجود القهري". هذا يعني سعادتنا العادية، وإدارة ظهورنا لها لا تعني، "من الآن لن آكل طعامًا لذيذًا"، أو"من الآن لن أذهب إلى أي مكان إلا وأنا مرتدي ملابس مصنوعة من الشعر الخشن وسأسير حافي القدمين وسأجلد نفسي وما شابه من تلك الممارسات، لأني لا أرغب أبدًا في أي من المتع الدنيوية". هذا بالتأكيد ليس ما نعنيه هنا.

لكن ما نعنيه بدلًا من هذا هو، "سعادتنا العادية ليست هي هدفنا النهائي"، لأن هذا النوع من السعادة تصاحبه الكثير من المشاكل، ولا تدوم ولا نعرف أبدًا متى تنتهي ولا نعرف ما الذي سنشعر به بعدها. "أشعر الآن بالسعادة، لكن بعد دقيقتين من الآن يمكن أن أشعر بأني بائس. أحظى بوقت جميل معك، لكن بعد دقيقة واحدة من الآن قد أشعر بالسأم، أو قد تقول شيئًا لا يعجبني، فلا أشعر بعد ذلك بالسعادة". لذا فليس هناك ضمانة لما سيأتي لاحقًا.

ليس هناك أمان مع السعادة العادية؛ هذا هو عدم الرضا الذي يشوبها. وهي لن تزيل تعاستنا بالكامل. لذا فهي ليست كافية. لهذا السبب ندير ظهرونا لها، "هذا ليس الهدف النهائي الذي أبحث عنه. إذا حظيت بتلك السعادة العادية، بالطبع ستكون أحد الشروط أو الظروف المساعدة للتدرب. إذا لم أكن متألمًا بالكامل طيلة الوقت، فبالتأكيد سأتمكن من مساعدة الآخرين بشكل أكبر". هي شروط مساعدة على التدرب والمساعدة -الصحة الجيدة وما شابه. لذا نستخدم تلك السعادة العادية بينما هي لدينا، ولكننا لا نتفاجئ عندما تنتهي.

بالطبع ستنتهي. هذه طبيعة السامسارا، الصعود والهبوط. وعندما نشعر أيضًا بالتعاسة، هذا ليس شيئًا يجعلنا نتوقف عن التدرب، لأنه عندما نعاني، يمكن لهذا أيضًا أن يصبح من الشروط المساعدة على التدرب وتنمية الشفقة تجاه الآخرين الذين يعانون.

هذه هي إحدى خصائص المستوى الأوسط، أن "ندير ظهورنا لمتع الوجود القهري"، "هذا ليس ما أرغب فيه كهدف نهائي". الخاصية التالية للشخص الذي بالمستوى الأوسط هي "يدير ظهره للبواعث السلبية". الفعل المستخدم هنا مختلف عن الفعل المستخدم في الشطر الأول من البيت.

بالمستوى الأول كان لدينا: عندما تتولد لدينا بواعث الكارما لأن نتصرف بشكل هدام فسنمتنع عن التصرف بتلك الطريقة. كان هذا هو المستوى الأولي، "لدي باعث يدفعني لأن أقول شيئًا قاسيًا لك، لكني أدرك أن هذا سيؤذي مشاعرك وسيبني داخلي عادات سلبية، فلذا أمتنع عن قول هذا". هذا هو المستوى الأولي. هنا، في المستوى الأوسط، نحن لا نتحدث فقط عن عدم التصرف بناء على البواعث السلبية. نحن هنا نتحدث عن إدارة ظهورنا لها، بما يعني إزالة أسباب تولد تلك البواعث. لذا سنحتاج أن نبحث عميقًا بقدر الإمكان لنكتشف أسباب تلك البواعث السلبية.

وهنا سنكتشف ارتباكنا بشأن الواقع -عادة ما يُطلق عليه "عدم الوعي" أو "الجهل". عدم الوعي بكيفية وجودنا ووجود كل من حولنا سيتم مناقشته بشكل كامل لاحقًا بالنص. لكن إذا وصفناه بشكل بسيط، هو بالأساس الشعور بأن، "لدي وجود راسخ منفصل عن كل شيء آخر يحدث من حولي ويجب أن تسير الأمور دائمًا كما أريد". نحن مشغولون بهذه الذات التي تبدو راسخة، "أنا الشخص الأهم في العالم وكل ما لا يعجبني يجب أن أدمره بغضب. وأي شيئ يعجبني يجب أن أحصل عليه بجشع. وإذا حصلت عليه، أتعلق به، لا أرغب في مفارقته".

يتسبب لنا هذا في التصرف بطرق هدامة قهرية. يتسبب لنا حتى في أن نتصرف بطرق بناءة قهرية، "أنا أحاول بشكل قهري أن أرضيك، لأني أرغب في أن تحبني، لأني مشغول للغاية بذاتي التي أعتقد أن جميع من بالكون يجب أن يهتموا بها، لكني سأكون لطيفًا معك حتى تهتم بي وتحبني". هذا التشبث بالذات الراسخة هو ما يتسبب في بناء الكارما عبر التصرف بطريقة هدامة أو بناءة، لكن في الحالتين بطريقة قهرية، من أجل إرضاء تلك الذات.

هذا التشبث بالذات الراسخة، هذا الارتباك، يتسبب أيضًا في إثمار إمكانيات الكارما بحيث نختبر نتائجها فيما له علاقة باختبارنا للسعادة أو التعاسة ثم نستمر في التصرف وفقًا لطرقنا القديمة. لذا هنا بالمستوى الأوسط هذا ما نرغب في إدارة ظهورنا له. نرغب في أن نتخلص من تلك البواعث السلبية بحيث لا تنشأ مرة أخرى، بما يعني أننا نرغب في أن نخلص أنفسنا من أسبابها، أي أرتباكنا بشأن كيفية وجودنا. نتخلى عن ذلك، عن ذلك الارتباك.

الخاصية الثالثة للشخص الذي بالمستوى الأوسط هي أنه "لديه اهتمام متقد فقط بحالة السلام الخاصة به"، "أرغب في أن أُخرج نفسي من هنا". نحن هنا في الحقيقة لا نتحدث عن بوذية الثيرافادا، لكن مستوى الدافع هذا "مشترك مع الهينايانا" -هذه هي الطريقة التي يوصف بها من منظور الماهايانا. لكن علينا أن نتذكر أن اتباع الماهايانا هم من اختلقوا مصطلح الهينايانا. تظهر تلك الكلمة أول مرة في سوترات البراجنابراميتا، سوترا الموقف الداخلي الذي سيحملنا بعيدًا الخاص بالحكمة. لم يظهر هذا المصطلح قبلها.

يعني مصطلح الماهايانا "الناقلة الضخمة"، "الناقلة العظيمة"، ويعني مصطلح الهينايانا "الناقلة الصغرى"، لذا فقط يُنظر إليه كمصطلح ازدرائي. "نحن في غاية العظمة وأنت صغير". لكني أعتقد أننا بحاجة لأن نتفحص أكثر مصطلح "يانا" (ناقلة) في سياق عرض أتيشا للمستويات الثلاثة، إن ناقلة الذهن، بينما يتقدم الشخص بالمسار، تصبح أكثر اتساعًا، أعظم وأعظم في مستوى هدفها.

لذا، فالهينايانا والماهايانا يشيرون إلى مستويات نمونا على المسار حيث يتسع مستوانا بينما نتقدم على المسار، وأعتقد أن هذا هو التفسير العادل لاستخدام هذا المصطلح "هينايانا" عن كونه وصف لمدارس تاريخية بعينها في البوذية. لا أعتقد أن هذه هي الطريقة الأكثر نضجًا للنظر لمعاني هذه المصطلحات. هناك ثمانية عشر مدرسة نمت في البوذية، والثيرافادا أحدهم، وعادة ما تظهر الماهايانا كمقابل لتلك المدارس الثمانية عشر، لكن المشكلة أنه ليس هناك مصطلح يجمع تلك المدارس الثمانية عشر، لذا يُستخدم "الهينايانا" كمصطلح للإشارة لهم.

لكن في سياق الماهايانا والخاصة بسياق اللام ريم، من المهم ألا نُعرِّف مستوى دافع الهيانايا وفقًا لتلك المدارس التاريخية، لأنه بالتأكيد في هذه المدارس سنجد تدريبات الحب والشفقة وخلافه. وسيكون لدينا الانطباع أن الشخص الذي بالمستوى الأوسط هو أناني يهتم فقط بنفسه. النطاق الأوسط لم يتضمن التعاليم الخاصة بالحب والشفقة، مع ذلك، فبالتأكيد سنجد بتقليد الثيرافادا تلك التعاليم والتدريبات.

لكنه صحيح أنه بغض النظر عن كمية الحب والشفقة التي لدينا تجاه الآخرين وبغض النظر عن كم حاولنا مساعدتهم، على الجميع في النهاية أن يفهموا الواقع بأنفسهم وعلى الجميع أن يخلصوا أنفسهم من أسباب معاناتهم. لا أحد يمكنه القيام بهذا بالنيابة عن أحد آخر. لذا من المهم للغاية أن نعمل على تخليص أنفسنا من ارتباكنا، مصدر مشاكلنا.

وهذا غاية في الأهمية وحيوي بشكل لا غناء عنه إذا كنا سنحاول مساعدة الآخرين. لأننا إذا حاولنا فورًا من البداية أن نتبع مسار الماهايانا، هذا النطاق المتقدم، عندها على الرغم من محاولتنا لمساعدة الآخرين، إذا لم نعمل أيضًا على تخليص أنفسنا من ارتباكنا، فعندها يمكن أن تتحول مساعدة الآخرين إلى وسيلة لتضخيم الآنا. نصبح متعلقين بمن نحاول مساعدتهم وإذا لم يأخذوا بنصيحتنا أو لم تتحسن أحوالهم، نغضب منهم. وإذا نجحت نصيحتنا في مساعدتهم نرغب في أن يعجبوا بنا ويحبونا ويشكرونا وكل هذه الأشياء -آلية لتضخيم الآنا.

لذا فسيتسبب لنا هذا في عائق ضخم أمام قدرتنا على تقديم مساعدة حقيقية للآخرين. لذا نحتاج أن نعمل على أنفسنا شعوريًا، وليس فقط على مشاعرنا من حيث تنمية الحب والشفقة، ولكن العمل على أنفسنا أيضًا لنتخلص من التعلق، الغضب، عدم الصبر، وكل تلك الأشياء. لذا فالمستوى الأوسط ضروري للغاية كمرحلة في طريق تنمية مستوى تدرب ماهايانا مستقر.

البوديساتفا كمدخل للمستوى المتقدم

(5) أي شخص يتمنى بالكامل أن يزيل كل المعاناة بالكامل عن الآخرين كما لو كانت المعاناة التي باستمراريته الذهنية لهو شخص ذو دافع سامي.

بالمستوى الأوسط رغبنا في إزالة كل المعاناة التي نختبرها أو الموجودة باستمراريتنا الذهنية، بما يعني تخليص أنفسنا أيضًا من أسباب المعاناة. وبالمستوى المتقدم "نرغب في الإزالة الكاملة…" كاملة تعني من جذورها، الأسباب وما شابه، "...بالكامل كل معاناة الآخرين"، كما لو كانت معانتنا نحن.

بعبارة أخرى، نحن نحمل تلك المعاناة، كما لو كانت معاناتنا الخاصة، ونرغب في إزالتها عنهم بذات الطريقة التي نرغب بها في إزالة معاناتنا وأسبابها. لذا نشعر بالتقدير لكوننا جميعًا متشابهون في رغبتنا في أن نكون سعداء، ولا أحد منا يرغب في أن يكون تعيسًا، وجميعنا متشابهون في اختبارنا لمشاكل السامسارا -الصعود والهبوط، إعادة الميلاد القهرية غير المتحكم بها، وما شابه. وكما قال شانتيديفا، المعاناة يجب أن تزال ليس لأنها معاناتي، ليس لإنها معاناتك، ولكن يجب إزالتها ببساطة لكونها معاناة تتسبب في الألم. المعاناة ليس لها مالك.

كما لو أنك تعيش بمبنى سكني وتخرج لفناء المبنى وتجد بعض الأوراق أو القمامة بالأرض، يجب أن يلتقط أحدهم تلك الأوراق أو القمامة ويرميها بعيدًا، ليس لأني أنا من ألقاها هناك، ليس لأنك أنت من ألقاها هناك، ولكن لأنها هناك على الأرض ويجب أن يتم تنظيفها. هذه هي طريقة التفكير في المعاناة. تلتقطها وتلقيها بعيدًا. لا تصنع جلبة حول هذا الأمر. ليس كأنك، "هؤلاء الجيران البشعين الذين دائمًا ما يلقون الأوراق على الأرض"، والذي يعكس رؤيتي لنفسي كشخص رائع لا يُخطئ أبدًا بالمقارنة بهم، الأمر ليس كأننا نفكر "عليّ دائمًا أن أنظف خلف الجميع"، والذي هو أيضًا تفكير قائم على الانحسار في أنا أو فكرة، "كم أنا رائع، مثل الملاك، أنظف خلف الجميع". لا شيئ كهذا. أنا فقط أنظف. ملقاة على الأرض، لذا ألتقطها بشكل طبيعي، لأنها يجب أن تُنظف. الجميع يستمتعون بالنظافة.

نفس الشيء فيما له علاقة بمساعدة الآخرين في إزالة مشاكلهم. إذا لم يفهم أحدهم شيئًا، أو إذا لم نفهم شيئًا، نشرحه؛ الأمر ليس له علاقة بمن هو الشخص، نحن فقط نشرح. إذا احتاج شخص ما للمساعدة، نساعد، طالما كان هذا ممكنًا. هذا المستوى يكون لدينا عندما نفكر في سياق مساعدة الجميع، وليس فقط قلة من الأشخاص، ليس فقط الأشخاص الذين نحبهم، ولكننا نرغب في أن نكون قادرين على إزالة المعاناة عن الجميع، مشاكل الجميع، بنفس الطريقة التي سنحاول بها إزالة مشاكلنا. هذا مستوى هائل. "ولن استسلم، لكني سأستمر في محاولة مساعدة الجميع، حتى يتحرروا جميعًا من مشاكلهم وما شابه".

هذا يعني أنه بهذا المستوى، هذا المستوى المتقدم أو السامي، ننمي ما يطلق عليه "البوديتشيتا" على أساس من الحب والشفقة -الحب هو الأمنية للآخرين أن يكونوا سعداء وأن يحظوا بأسباب السعادة، الشفقة هي الأمنية للآخرين بأن يكونوا أحرارًا من المعاناة وأسباب المعاناة- ثم تأتي بعد ذلك الأمنية الاستثنائية، وهي "سأخذ على عاتقي مسئولية تقديم المساعدة بالفعلية لهم وتحقيق السعادة لهم وإزالة معاناتهم بنفسي"، وندرك أن الطريقة الوحيدة لنكون قادرين حقًا على مساعدة الآخرين بالكامل بأفضل قدر ممكن هي عبر تحقيقنا للاستنارة، وليس مجرد التحرر. هذا لأننا إذا كنا فقط متحررين من مشاكلنا وأسبابها، ستظل أذهاننا بهذا المستوى محدودة.

نكون أشبه بغواصة تحت الماء، ننظر عبر المنظار. قادرين فقط على رؤية ما هو موجود أمام المنظار، ما هو أمام أعيننا. حتى إذا لم تكن لدينا أي مشاكل مع ما نتلقاه، يظل أننا ليس بإمكاننا رؤية ما هو أبعد من ذلك. لا يمكننا رؤية الأثر المستقبلي لسلوكياتنا، لا يمكننا رؤية كل ما حدث من قبل وأنتج ما يحدث أمامنا الآن. على الرغم من أننا قد نكون قادرين على الرؤية أكثر من الأشخاص العادية لأننا نمينا أنفسنا أكثر، تحررنا، لكنه يظل أن رؤيتنا للآخرين ضيقة مثل المنظار. قد يكون منظارًا كبيرًا للغاية، لكنه يظل منظارًا.

لذا فما نرغب في القيام به، "يجب أن أصل للاستنارة، يجب أن أصبح بوذا لأخلص نفسي من هذا المنظور الضيق وأكون قادرًا على رؤية كل شيء يخص الآخرين. لذا أرغب في أن أخلص نفسي ليس فقط من العوائق التي تولِّد مشاعري المزعجة، وبالتالي تمنعني من التحرر، لكني أرغب أيضًا في التخلص من العوائق التي تمنعني من معرفة كل شيء، معرفة كل شيء فيما له صلة بالكارما، إذا ما علمتك شيئًا فما الأثر الذي سيترتب على هذا، ليس عليك أنت فقط، ولكن على كل شخص سيتفاعل معك، ثم الدائرة الأوسع لكل من سيتعامل معهم وهكذا دواليك".

هذه هي الاستنارة، عندما نتخلص من كل تلك المعيقات، لا يكون هناك أي محدودية لرؤيتنا. على الرغم من أننا نرغب في تحقيق تلك الحالة -حيث ستكون قادرين على نفع الجميع بأفضل طريقة- إلا إنه مع ذلك، نُدرك جيدًا أننا فقط سنستطيع مساعدة هؤلاء المنفتحون لنا. بوذا لا يمكنه أن يزيل المعاناة فقط بقوته الذاتية، وإلا كان حرَّر الجميع بالفعل. لذا علينا أن نفهم واقعية الأسباب والنتائج، وما الذي سنستطيع حقًا أن نقوم به. حتى تكون لدينا فكرة واقعية عن الكيفية التي سنكون بها قادرين على مساعدة الآخرين ما أن نصل للاستنارة.

لذا فعندما نتحدث عن البوديتشيتا، الدافع الرئيسي الذي نبدأ منه هو، "يجب أن أصبح قادرًا على مساعدة الآخرين بأفضل قدر ممكن". بهذا الدافع ننظر ونرى، "حسنًا، لأكون قادرًا على القيام بهذا يجب أن أصل للاستنارة". البوديتشيتا هي الحالة الذهنية التي نُركز فيها على الاستنارة؛ لكن وليس التركيز على الاستنارة في المطلق أو استنارة بوذا شكياموني. إنها التركيز على استنارتنا الشخصية التي سنحققها في المستقبل، استنارتنا الفردية، تحديدًا تلك الاستنارة التي ستكون لدينا لاحقًا باستمراريتنا الذهنية.

مع رغبة في تحقيق هذا بأسرع وقت ممكن، لأني حينها سأكون مستعدًا لمساعدة الآخرين بقدر الإمكان. فهذا بشكل كبير قائم على، يجب أن يكون قائمًا على الثقة بأن هذا التحقق المستقبلي، تلك الاستنارة المستقبلية، شيء يمكن لي تحقيقه، إن هذه الحالة المستقبلية باستمراريتي الذهنية، وأنه يمكن لي تحقيقها بالكامل. بدون هذه القناعة، فستكون البوديتشيتا مجرد أمنية لطيفة ولكنها غير عملية، لن تكون مخلصة. هذه هي البوديتشيتا، من المهم للغاية أن يكون لدينا فهمًا واضحًا لها.

(6) لتلك الكائنات المبجلة التي توصلت لأمنية الاستنارة السامية، سأشرح الأدوات المثالية التي أراها لي معلميني.

لذا فلأشخاص، كما أطلق عليهم أتيشا، "مبجلين"، ساميين، ويعكس هذا الاحترام العظيم الذي يكنه أتيشا لهؤلاء من نَمُّو فعلًا تلك الرغبة في الاستنارة، بعبارة أخرى، لهؤلاء من يستهدفون استنارتهم الشخصية ويعملون بكل طاقتهم لتحقيقها لأنهم يرغبون في أن يكونوا قادرين على مساعدة الآخرين أكثر، لهؤلاء، "سأشرح الأدوات المثالية" لتحقيق تلك الاستنارة بالطريقة "التي أراها لي معلميني"، بعبارة أخرى، أنا لن أختلق شيئًا. مثل هؤلاء الأشخاص يستحقون حقًا الاحترام. هذا ليس فقط إظهارًا للاحترام لهؤلاء من نَمُّو تلك الأمنية، ولكنه أيضًا إظهارًا للاحترام لأنفسنا لقدرتنا على تحقيق هذا.

Top